الفتنة في معناها اللغوي والإيماني هي الابتلاء والاختبار والتمحيص، وتتعدد صورها وتتفاوت درجاتها، حتى تبلغ الفتن العظمى التي تهدد العقيدة والأوطان والمجتمعات؛ ومن أعظمها فتنة الدين والعقيدة، وفتنة المسيح الدجال التي أخبر بها النبي ﷺ.
وما يمر به السودان اليوم هو فتنة عمياء تجوب البلاد شمالًا وشرقًا وغربًا وجنوبًا، تُؤجِّج النعرات القبلية والعصبيات الجاهلية، وتُضخِّم الخلافات حول الأرض أو الحدود أو المشيخات أو زعامات القبائل، بتتحول الخلافات المحدودة إلى شروخ عميقة في نسيج المجتمع، وتزرع الشك والكراهية بين أبناء الوطن الواحد، فنكون أمام أخطر أنواع الفتن.
وإن لم تُتدارك شراراتها في مهدها، فإنها ستتحول إلى نارٍ لا تُبقي ولا تذر، تُخرِّب الديار، وتأكل الأخضر واليابس، وتدفع المجتمع إلى حافة التمزق والانقسام، ليحل الخوف والذعر محل الطمأنينة والسلام.
عُرف السودانيون عبر تاريخهم بروح التآلف والتراحم، وبقيم «النفير» والفزع وإغاثة الملهوف، وكان الجار سندًا لجاره، والمجتمع أسرةً كبيرة تتقاسم الأفراح والأتراح.
لكن الفتنة تعمل على هدم هذه القيم الراسخة، فتزرع الشك مكان الثقة، والخوف مكان الأمان، حتى يمتد أثرها إلى الحي الواحد، وربما إلى البيت الواحد، فيصبح الناس غرباء وهم يعيشون تحت سقف وطن واحد.
سلاح الشائعات وخطاب الكراهيةوفي عصر الفضاء الرقمي المفتوح، أصبحت الشائعة أشد فتكًا من الرصاص، وأسرع انتشارًا من النار في الهشيم.
فالكلمة غير المسؤولة، والأخبار المفبركة، والغيبة والنميمة، وخطابات التحريض والكراهية التي تُبث عبر وسائل التواصل، كلها تتحول إلى وقود يمد عمر الأزمة، ويُعمِّق الشروخ، ويجعل بعض الناس ـ بقصد أو بغير قصد ـ أدواتٍ لاستمرار المحنة.
وقد رُوي عن بعض السلف قولهم: «الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها».
إن مواجهة هذه الفتنة ليست مسؤولية الجهات الرسمية وحدها، بل هي مسؤولية أخلاقية وإنسانية تقع على عاتق كل صاحب قلم، وكل صاحب منبر، وكل صاحب كلمة، وكذلك العلماء والفقهاء والحكماء، فهم جميعًا مطالبون بإطفاء نيران الفرقة، وجمع الكلمة، وتغليب صوت الحكمة على صوت العصبية.
فالمطلوب اليوم هو إعلاء قيم المواطنة، وحقن الدماء، ونبذ خطاب الكراهية، والتثبت قبل نقل الأخبار، وتذكير الناس بأن ما يجمعهم من دين ووطن وتاريخ ومصير مشترك أكبر بكثير مما يفرقهم.
فالأوطان لا تُبنى بالأحقاد، ولا تُحفظ بالانتقام، وإنما تحفظها الحكمة، ويصونها العدل، ويجمع أبناءها التسامح والإخاء.
نسأل الله أن يحفظ السودان وأهله، وأن يُجنِّب البلاد والعباد مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يرد إلى الوطن أمنه ووحدته، ويعيد إلى أهله السكينة والمودة والسلام.
﴿اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
اللهم احفظ السودان وأهله، واجمع كلمتهم على الحق، وأطفئ نار الفتن والحروب، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، وارزق أهله السكينة والوئام والسلام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك