تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى نياحة القديس الأنبا لاتصون البهنساوي، أحد أعلام الرهبنة والنساك الذين تركوا بصمة روحية خالدة في تاريخ الكنيسة عبر حياة اتسمت بالتجرد الكامل والزهد العميق.
وُلد القديس الأنبا لاتصون بمدينة البهنسا، وعاش في بداياته حياة عادية بين أهل مدينته، إلى أن جاءت اللحظة التي غيرت مسار حياته بالكامل.
ففي أحد الأيام دخل إلى الكنيسة وسمع كلمات السيد المسيح الواردة في الإنجيل المقدس: «من أراد أن يخلص نفسه يهلكها، ومن يهلك نفسه من أجلي يجدها.
لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه»، فلامست هذه الكلمات أعماق قلبه وأشعلت داخله رغبة صادقة في تكريس حياته لله.
على إثر ذلك، ترك العالم بكل ما فيه من مغريات ومضى إلى برية شيهيت، حيث اختار طريق النسك والصلاة والتقشف.
وهناك جاهد نفسه بأصوام طويلة وصلوات متواصلة، طالبًا حياة الشركة مع الله بعيدًا عن صخب الحياة ومباهجها الزائلة.
وتروي السنكسارات الكنسية أن ملاك الرب ظهر له وأرشده إلى القديس إيسيذورس ليلبسه الإسكيم المقدس، وهو ما تحقق بعد فترة من الاختبار الروحي امتدت لأربعين يومًا، ليبدأ بعدها مرحلة أكثر عمقًا في حياة الرهبنة والنسك، حتى صار مثالًا يُحتذى به بين الآباء المتوحدين.
ومن أبرز المواقف التي ارتبطت بسيرته، لقاؤه بالقديس بلامون، الذي تعرض لمحاربة روحية شديدة بعدما ظهر له الشيطان في هيئة امرأة محاولًا إغواءه وإبعاده عن طريق القداسة.
إلا أن القديس بلامون تغلب على التجربة بالصلاة وعلامة الصليب، ثم توجه إلى الأنبا لاتصون طالبًا الإرشاد والمعونة الروحية، فقدم له النصح والتوجيه اللازمين لمواجهة الحروب الروحية والانتصار عليها.
واشتهر القديس الأنبا لاتصون بالحكمة والتمييز الروحي، حتى أصبح مقصدًا للرهبان والمتوحدين الذين كانوا يلجأون إليه طلبًا للمشورة والتثبيت في حياة الجهاد الروحي.
ومع مرور السنوات ازداد في التقشف والعبادة، مكرسًا حياته بالكامل للصلاة والخلوة وخدمة النفوس.
وبعد رحلة طويلة من النسك والجهاد الروحي، تنيح القديس الأنبا لاتصون بسلام، تاركًا للأجيال سيرة مضيئة تعكس قوة الإيمان وعمق التمسك بالحياة الروحية.
ولا تزال الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تحتفظ بذكراه العطرة، مستحضرة نموذجا فريدا لرجل اختار أن يترك مجد العالم الزائل ليبحث عن المجد الأبدي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك