تحولت موجة الحر الشديدة التي تجتاح فرنسا ودول أوروبية أخرى منذ أسبوع إلى مسألة حياة أو موت للأشخاص الذين يعيشون في الشوارع وبدون مأوى.
فخلال يوم الإثنين، عُثر على رجل يبلغ من العمر 35 عاما، كان يعيش من دون مأوى، متوفيا بسبب ارتفاع درجات الحرارة خلال جولة ميدانية قامت بها جمعية تقدم الدعم للمشردين الذين يعيشون في الشوارع بمدينة لافال بإقليم مايين (وسط فرنسا).
وهذه الحالة ليست الوحيدة.
فبحسب بيانات ائتلاف" ضحايا الشارع"، لا يوجد اختلاف كبير في معدل الوفيات المحصاة في صفوف المشردين بين فصل الشتاء والصيف، وأن الفترة الصيفية تمثل وحدها 30% من إجمالي الوفيات.
وازدادت المخاوف هذا العام بسبب اتساع نطاق موجات الحر بشكل استثنائي في فرنسا.
فيما يعيش نحو 51.
1 مليون شخص في 72 إقليما وُضعت تحت مستوى الإنذار الأحمر الخميس، أي ما يفوق ثلاثة أرباع سكان فرنسا.
في مراكز المدن، تحولت الأرصفة إلى صفائح ساخنة.
وإذا كان بعض الأشخاص قادرين على الاحتماء في أماكن مكيفة أو في شقق باردة نسبيا، فإن آخرين لا يملكون حلولا سوى قضاء أيامهم في العراء أو داخل خيام شديدة السخونة.
وبالنسبة لهؤلاء، يتحول كل يوم إلى معركة ضد الحر الشديد.
وقال داميان، وهو مشرد يبلغ من العمر 34 عاما يعيش في مدينة بوردو لوكالة الأنباء الفرنسية أنه يلجأ إلى إحدى النوافير لتحمل درجات الحرارة المرتفعة: " الحر شديد لدرجة أن الشرطة نفسها لا تقول شيئا".
اقرأ أيضامن" كارثة" 2003 إلى موجة 2026.
هل أصبحت فرنسا مستعدة لمواجهة موجات الحر القاتلة؟أضاف فلوران (58 عاما)، والذي جاء بحثا عن" قليل من البرودة" في أحد مراكز الاستقبال الطارئة بالمدينة: " إذا استمر الوضع هكذا طوال الصيف، فسيكون الأمر صعبا للغاية".
ميدانيا، حذرت بعض الجمعيات من مخاطر الجفاف وضربات الشمس والإغماء، خصوصا لدى الأطفال وكبار السن والأشخاص الذين يعانون أصلا من مشاكل صحية.
ولمواجهة هذه الحالة الطارئة، اتخذت السلطات بعض التدابير.
ففي باريس مثلا، أعلنت المحافظة تكثيف الجولات الميدانية بحثا عن مشردين وتوسيع ساعات عمل مراكز الاستقبال خلال النهار، إضافة إلى تخصيص 100 مكان إضافي لإيواء هذه الفئة من الناس في شمال غربي العاصمة، ليرتفع بذلك عدد الأماكن المخصصة ضمن خطة مواجهة موجة الحر إلى 427 مكانا.
لكن بالنسبة للجمعيات، هذه الإجراءات لا تلبي الاحتياجات الفعلية.
وبين الخطاب الرسمي والواقع الميداني الذي تعيشه مخيمات المشردين، تتسع الفجوة أكثر فأكثر، حسب يان مانزي، المندوب العام لجمعية" يوتوبيا 56" التي تنشط في عدة مدن فرنسية لمساعدة المهاجرين والمشردين.
ففي حوار مع فرانس24، انتقد هذا المسؤول الطريقة التي تدير بها السلطات أزمة الحر.
فرانس24: ماذا لاحظت فرقكم في الميدان منذ بداية موجة الحر؟يان مانزي: الوضع مأساوي.
فعلى الرغم من التصريحات الرسمية، لا يزال آلاف الأشخاص يعيشون في الشوارع بباريس ومدن أخرى.
نحن ننبه السلطات العامة يوميا إلى هذا الواقع.
لكننا في نفس الوقت، نشعر بأن لا أحد يصغي إلينا.
فالتدابير القليلة التي اتخذت خلال فترات الحر الشديد لا تغطي سوى جزء ضئيل من الاحتياجات.
وكل مساء، ما زلنا نرى عائلات تنام في العراء في وقت تبلغ درجات الحرارة مستويات قياسية.
خطة مواجهة موجة الحر تنص على توفير المزيد من أماكن الإيواء وتعزيز الجولات الميدانية.
هل هذا كافٍ؟لا، بالطبع.
من المؤكد أن كل مكان جديد يتم توفيره للإيواء يشكل مساعدة مفيدة.
لكن هناك فجوة هائلة بين التصريحات والواقع.
ففي باريس، تتحدث الدولة عن 427 مكان إيواء، في حين جرى إحصاء أكثر من 3800 شخص من دون أي حل للإيواء خلال" ليلة التضامن" التي نُظمت في فبراير/شباط الماضي، بينما يُقدَّر العدد الحقيقي بنحو 5000 شخص.
وحتى مساء الثلاثاء، رصد فرع جمعيتنا في باريس وجود 130 امرأة وطفلا ورضيعا من دون أي حل، رغم مطالباتنا بالتكفل بهم.
نحن نواصل التخلي عن أشخاص شديدي الهشاشة في وقت يمكن أن تعرض فيه الحرارة حياتهم للخطر.
لماذا الأشخاص الذين يعيشون في الشوارع هم أكثر عرضة للخطر خلال موجة كهذه؟لأنهم يجمعون كل عوامل الهشاشة.
فكثيرون يعيشون في مخيمات موقتة ويترددون في الابتعاد عنها للبحث عن الماء أو أماكن أكثر برودة، خوفا من تعرض ممتلكاتهم القليلة للسرقة.
كما أن الوصول إلى نقاط المياه غير كافٍ، وليس لدى الجميع الإمكانات اللازمة لاقتناء عبوات الماء أو لوازم أخرى لتلطيف الجو.
وبالنسبة للمهاجرين أو طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم، يصبح الوصول إلى بعض أماكن الحماية أكثر تعقيدا أحيانا.
والنتيجة أننا نشاهد أشخاص يُستنزفون جسديا يوما بعد يوم.
ما هي الفئات التي تثير أكبر قدر من القلق لديكم اليوم؟الأطفال والرضع وكبار السن هم الذين يدفعون الثمن أكثر.
هناك آلاف منهم يعيشون داخل خيام رغم الحر الشديد، وبعضهم يواجه خطر الموت.
إنهم يعانون ويتدهور وضعهم تدريجيا في الشارع.
وهذا أمر مخيف للغاية.
فعندما نتولى مساعدة بعض الأشخاص مساء بعد يوم كامل قضوه في الخارج، نجد أحيانا أن حالتهم الصحية تدهورت بشكل واضح.
لذلك نبقى في حالة تأهب دائمة لتحويل من يحتاجون إلى الرعاية نحو أقسام الطوارئ.
ما الإجراء الذي ينبغي اتخاذه فورا لتجنب وقوع مآسٍ جديدة؟نحن بحاجة إلى توفير مأوى حقيقي ومستدام.
فالحل لا يكمن فقط في فتح عدد محدود من الأماكن لبضعة أيام، ثم إعادة الناس إلى الشارع بمجرد انتهاء موجة الحر.
وهذا بالضبط ما يحدث هذا الأسبوع.
فالأشخاص القلائل الذين تم إيواؤهم سيجدون أنفسهم مجددا على الأرصفة اعتبارا من يوم الإثنين المقبل.
ونحن نندد بهذه الخطة منذ سنوات.
يجب تكييف الموارد مع تزايد معدلات الفقر وضمان توفير إيواء فعلي ومتاح لكل من يحتاج إليه.
وبالطبع، سيكون من غير الصادق القول إن الدولة لا تفعل شيئا.
لكننا نشعر بأن الاستجابات المقدمة لا تزال بعيدة جدا عن مستوى الاحتياجات الحقيقية.
ماذا يمكن للمواطنين أن يفعلوا لمساعدة الأشخاص الذين يواجهون صعوبات في الشارع؟أولا، عدم غض الطرف.
فعندما يبدو شخص ما في حالة ضيق أو خطر في الشارع تحت هذه الحرارة، ينبغي محاولة مساعدته والاتصال بخدمات الطوارئ إذا لزم الأمر.
كما يمكن للناس دعم الجمعيات أو المشاركة في شبكات الإيواء التضامني لتوفير الحماية لعدد أكبر من الأشخاص.
وأخيرا، يجب التذكير بوجود حلول أكثر هيكلية، مثل مصادرة المباني الشاغرة واستخدامها للإيواء.
وهو إجراء ينص عليه القانون ونطالب بتطبيقه منذ سنوات لمنع استمرار وفاة الأشخاص في الشوارع.
فالحلول موجودة أمامنا وهي معروفة، لكن الإرادة السياسية غائبة.
إنه تخَلٍّ واسع النطاق عن الفقراء، وخصوصا عن الأجانب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك