قناة التليفزيون العربي - نتنياهو يرفض الانسحاب من جنوب لبنان ويصعد في سوريا القدس العربي - ميلوني: إيطاليا وفرنسا اتفقنا على تحالف لدعم لبنان بعد انتهاء مهمة اليونيفيل Euronews عــربي - إسرائيل تكشف عن طموحاتها الفضائية.. هل تدخل الحروب المقبلة مرحلة جديدة؟ وكالة سبوتنيك - علماء روس يطورون بطارية ذرية تدوم لأكثر من 15 عاما العربي الجديد - انفجار في مستودع لـ"الحشد الشعبي" بمحافظة ديالى العراقية قناة الجزيرة مباشر - College Football Hall of Fame in Atlanta showcases the history and origins of the game القدس العربي - فنزويلا: مئات الضحايا في أقوى زلزال يضرب البلاد منذ 1900 روسيا اليوم - موسكو تحذر من مواصلة تسليح الغرب لكييف القدس العربي - غارات وحرائق ومفاوضات متعثرة: الجنوب اللبناني تحت ضغط الشروط الإسرائيلية قناة الغد - شركات طيران تستأنف بعض رحلات الشرق الأوسط بعد توقف الحرب على إيران
عامة

صرخة في وجه الغفلة.. أنقذوا الوعي قبل أن نفقد الإنسان

مصراوي
مصراوي منذ 1 ساعة

ثمة مشاهد صغيرة تمر أمامنا كل يوم، لكنها تقول الكثير عن حال المجتمع.مشهد حادث يلتف حوله العشرات، بعضهم يخرج هاتفه قبل أن يمد يده للمساعدة.فتاة تتعرض لمضايقة في وسيلة مواصلات مزدحمة، فيشيح البعض بو...

ثمة مشاهد صغيرة تمر أمامنا كل يوم، لكنها تقول الكثير عن حال المجتمع.

مشهد حادث يلتف حوله العشرات، بعضهم يخرج هاتفه قبل أن يمد يده للمساعدة.

فتاة تتعرض لمضايقة في وسيلة مواصلات مزدحمة، فيشيح البعض بوجوههم وكأن الأمر لا يعنيهم.

نقاش بسيط يتحول إلى سيل من الإهانات على مواقع التواصل الاجتماعي.

وقد يظن البعض أن هذه مجرد وقائع متفرقة لا يجمعها رابط، لكنها في الحقيقة خيوط متصلة تكشف قضية أكبر وأعمق: قضية الوعي.

ولكي نكون منصفين، فإن الحديث هنا ليس عن المصريين باعتبارهم شعبًا فقد قيمه أو تخلى عن أخلاقه، فذلك ظلم للحقيقة وللتاريخ معًا.

فالمصريون الذين هبوا لإغاثة المنكوبين في الأزمات، وفتحوا بيوتهم للغرباء، وتقاسموا لقمة العيش في أصعب الظروف، ما زالوا موجودين.

وما زالت الشهامة والجدعنة والتكافل حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.

لكن المجتمعات الحية لا تخشى الاعتراف بأخطائها، ولا تهرب من مواجهة الظواهر التي تهدد نسيجها الأخلاقي.

لقد دخل الهاتف المحمول حياتنا باعتباره وسيلة للتواصل والمعرفة، لكنه تحول لدى البعض إلى نافذة دائمة للعرض والاستعراض.

وأصبح هناك من يرى الحدث بعين الكاميرا قبل أن يراه بعين الإنسان.

فإذا وقع حادث أو اشتعلت مشادة أو تعرض شخص لأزمة، ارتفعت الهواتف في الهواء بحثًا عن لقطة مثيرة أو مقطع قابل للانتشار.

المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، فالأدوات بريئة من طريقة استخدامها.

لكن الخطر يظهر عندما تصبح المأساة مادة للفرجة، ويصبح الإنسان مجرد محتوى رقميًا.

هنا يتراجع الحس الإنساني خطوة إلى الخلف، وتتقدم الرغبة في الظهور خطوة إلى الأمام.

وفي الوقت نفسه، تبرز ظواهر أخرى أكثر إيلامًا.

فالتحرش في وسائل المواصلات والأماكن العامة ليس مجرد سلوك فردي معيب، بل جرس إنذار يدق بقوة.

لأن المجتمع الذي تشعر فيه فتاة بالخوف أثناء طريقها إلى عملها أو جامعتها، يحتاج إلى وقفة مراجعة صادقة مع نفسه.

ولا يمكن اختزال هذه الظاهرة في أسباب اقتصادية أو اجتماعية فقط، لأن جذورها تمتد إلى ما هو أعمق.

إنها ترتبط بالتربية والوعي والثقافة واحترام الآخر.

فالشاب الذي تعلم منذ طفولته أن المرأة شريك في المجتمع، وأن كرامتها جزء من كرامته، لن يتحول إلى مصدر خوف أو أذى لها.

كذلك فإن العنف اللفظي الذي أصبح حاضرًا في كثير من النقاشات اليومية لا ينفصل عن الأزمة نفسها.

كلمات قاسية، وسخرية جارحة، واستخفاف بالآخر، وكأن الاحترام أصبح عملة نادرة في بعض المساحات العامة والافتراضية.

والحقيقة أن الكلمة ليست مجرد حروف، إنها انعكاس لما يحمله الإنسان من قيم ومعرفة ووعي.

من هنا يصبح السؤال أكثر أهمية: كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟الإجابة لا تتعلق بالقوانين وحدها، رغم أهميتها، ولا بالعقوبات وحدها، رغم ضرورتها.

فالمجتمعات لا تُبنى بالخوف فقط، بل تُبنى بالوعي.

والوعي لا ينبت من فراغ، بل ينمو في بيئة تمنح الثقافة مكانتها الحقيقية، وتجعل التعليم مشروعًا لصناعة الإنسان لا مجرد طريق للحصول على شهادة.

لقد كانت الثقافة المصرية يومًا من أهم مصادر القوة الناعمة في المنطقة.

كانت المكتبات مزدحمة بالقراء، والمسارح تفتح أبوابها للجمهور، والندوات الفكرية جزءًا من الحياة العامة.

وكانت أسماء الأدباء والمفكرين حاضرة في البيوت كما يحضر نجوم الفن والرياضة.

ولم يكن ذلك ترفًا ثقافيًا، بل كان جزءًا من عملية بناء الوعي الجمعي للمجتمع.

فالإنسان الذي يقرأ رواية عظيمة يتعلم التعاطف مع الآخرين.

والذي يطالع كتابًا في التاريخ يدرك قيمة التجارب الإنسانية.

والذي يتذوق الفن الراقي يكتسب حسًا جماليًا ينعكس على سلوكه ونظرته إلى الحياة.

الثقافة لا تمنح المعلومات فقط، بل تمنح البصيرة.

أما التعليم الحقيقي، فهو الذي يربي قبل أن يلقن، ويصنع الشخصية قبل أن يمنح الدرجات.

تعليم يغرس احترام القانون، وقبول الاختلاف، وقيمة العمل، وكرامة الإنسان.

وحين يضعف هذا الدور التربوي، تظهر الفراغات التي تتسلل منها السلوكيات السلبية.

إن مواجهة التحرش، والعنف اللفظي، والتنمر، والاستهانة بخصوصيات الناس، لا تبدأ من قسم الشرطة فقط، بل تبدأ من الفصل الدراسي، ومن المكتبة، ومن المسرح، ومن البيت الذي يعلم أبناءه أن الأخلاق ليست شعارات تُرفع، بل سلوك يُمارس.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يتراجع الاهتمام ببناء العقل والوجدان.

فالأمم لا تنهض بالخرسانة وحدها، ولا بالطرق والجسور وحدها، مهما كانت أهميتها، وإنما تنهض عندما تستثمر في الإنسان.

وعندما يصبح الكتاب حاضرًا في الحياة اليومية بالقدر نفسه الذي يحضر به الهاتف المحمول.

نحن لا نحتاج إلى معركة ضد التكنولوجيا، بل إلى معركة من أجل الوعي.

لا نحتاج إلى إدانة المجتمع، بل إلى استنهاض أجمل ما فيه.

فمصر التي أنجبت طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ، وأنجبت آلاف المعلمين والمثقفين والمبدعين، قادرة على أن تستعيد مكانة الثقافة في وجدان أبنائها.

فالطريق إلى مجتمع أكثر أمانًا واحترامًا لا يبدأ من شاشة الهاتف، بل من صفحة كتاب.

ولا يبدأ من مقطع مصور ينتشر لساعات، بل من فكرة ناضجة تعيش سنوات.

وحين يعود للثقافة بريقها، وللتعليم رسالته، وللوعي مكانته، سنكتشف أن كثيرًا من الأزمات التي تؤلمنا اليوم لم تكن سوى نتيجة طبيعية لغياب تلك القيم التي صنعت جمال هذا المجتمع عبر تاريخه الطويل.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك