منعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي لليوم الخامس على التوالي إدارة الأوقاف الإسلامية من رفع أذان الصلوات في الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية، بذريعة" وجود أعمال صيانة" في القسم المستولى عليه، لا سيما منطقة صحن الحرم، فيما أبعدت للمرّة الثالثة مدير الحرم معتز أبو سنينة، ورئيس السدنة همام أبو مرخية لمدّة 12 يوماً.
ويأتي هذا التصعيد الخطير وغير المسبوق تطبيقاً عملياً للقرار الإسرائيلي السابق بالاستيلاء على منطقة صحن الحرم من خلال أمر" استملاك" صدر منتصف سبتمبر/أيلول العام الماضي، وسحب الصلاحيات من بلدية الخليل والأوقاف الإسلامية في الحرم الإبراهيمي.
وقال أبو سنينة، في حديث مع" العربي الجديد"، إن" التصعيد الإسرائيلي لم يتوقف عند منع الأذان منذ يوم الأحد الماضي، بل انتقل إلى مربع التضييق على العاملين في وزارة الأوقاف الإسلامية وسدنة الحرم، بعد طردهم أول من أمس الثلاثاء قبيل موعد صلاة العشاء، ومنع إقامة الصلاة، تبعها منع إقامة صلاة الفجر في موعدها"، مضيفاً: " وصل سدنة الحرم بالأمس إلى الحرم قبل موعد الصلاة بساعة، والاحتلال أعاق دخولهم إلى الحرم، ومنعهم من الدخول هم والمصلين إلا بعد موعد الصلاة بساعة".
وظهر أمس، استدعت سلطات الاحتلال مدير الحرم ورئيس السدنة إلى مركز التحقيق في مستوطنة" تيلم" المقامة على أراضي غرب الخليل، وأجرت معهما تحقيقاً لمدّة 6 ساعات، ثم صدر قرار بإبعادهما، فيما يتواصل ما يدعي الاحتلال أنه" أعمال ترميم" داخل الحرم الإبراهيمي.
وتغطي تلك الأعمال مساحة تبلغ نحو 288 متراً مربعاً، وسط تقديرات تشير إلى أن ما يجري يتجاوز حدود الصيانة إلى تثبيت تغييرات بنيوية داخل الحرم الإبراهيمي الذي يُقسم إلى قسمين، 63% لليهود و37% للمسلمين، وذلك وفق مخرجات لجنة شمغار التي صدرت عقب مجزرة الحرم الإبراهيمي التي ارتكبها المستوطن المتطرف باروخ غولدشتاين في 25 فبراير/شباط 1994، والتي أسفرت عن استشهاد 29 مصلياً، ثم 20 آخرين في أحداث احتجاجية لاحقة، وإصابة 150 آخرين.
وقال أبو سنينة: " كان الأمر الظاهر لنا أنها أعمال صيانة في القسم المستولى عليه، وتبيّن لاحقاً أنها إجراءات عملية لسقف صحن الحرم، ويحدث ذلك دون إعلامنا أو إخبارنا مسبقاً"، مشيراً إلى أنه قبل صدور قرار سحب الصلاحيات، كانت سلطات الاحتلال تُبلغ الجهات الفلسطينية مسبقاً عند إجراء أي تغيير داخل الحرم أو تنفيذ أعمال صيانة، ما كان يتيح الاعتراض باللجوء إلى المسار القانوني.
وشدد على أن ما يجري حالياً يحدث دون أي إشعار مسبق للأوقاف الإسلامية.
ورصدت إدارة الحرم، بحسب أبو سنينة، وضع قوات الاحتلال جسوراً حديدية في ساحة المدرسة الإبراهيمية المحاذية للحرم، بالتزامن مع فرش درج الحرم بالرمل، في خطوات توصف بأنها تمهيدية لبدء أعمال تغطية الجزء المكشوف.
وتُربط الإجراءات الجارية بقرار يقضي بسحب صلاحيات التنظيم والبناء من بلدية الخليل والأوقاف الإسلامية، ونقل إدارة الحرم إلى لجنة تخطيط وترخيص تابعة للإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال.
ويستند هذا التغيير، وفق معطيات ميدانية، إلى قرار نهائي صدر في 31 ديسمبر/كانون الأول الماضي، تلاه رفض المحكمة العليا الإسرائيلية التماساً تقدّمت به بلدية الخليل والأوقاف الإسلامية ولجنة إعمار البلدة القديمة ووزارة السياحة الفلسطينية في الـ20 من الشهر الماضي، للطعن في إجراءات الاستملاك وتغيير معالم الحرم، بحسب ما أكده أبو سنينة.
وأشار أبو سنينة إلى رصد أعمال داخل ساحات الحرم، لا سيما في منطقة الصحن، نُفذت دون إطلاع إدارة الأوقاف على طبيعتها أو تفاصيلها.
وتشمل هذه الأعمال، وفقه، إزالة مظلة كانت تغطي مساحة تقارب 199 متراً مربعاً منذ عام 1996، في إطار التحضير لتنفيذ قرار يتعلق بسقف المنطقة المكشوفة من الحرم، والتي تُعد المتنفس الوحيد فيه، بذريعة أن أمطار الشتاء تهطل على المستوطنين اليهود أثناء صلواتهم داخل القسم المستولى عليه.
وعلى صعيد الإجراءات اليومية داخل الحرم، بيّن أبو سنينة أن إدارة الأوقاف تسجل قيوداً مشددة على الطواقم العاملة، من بينها منع سدنة الحرم من رفع الأذان في جميع الصلوات، إلى جانب منع المؤذن من دخول غرفة الأذان بذريعة تنفيذ أعمال إصلاح داخلية لم تُعرف تفاصيلها، كون الغرفة تقع في القسم المستولى عليه.
ولفت أبو سنينة إلى أن سلطات الاحتلال كانت قد وضعت في إبريل/نيسان العام الماضي أقفالاً على أبواب الحرم، ما يعني عملياً سحب مفاتيح الأوقاف الإسلامية، بما فيها غرفة الأذان، كما استولت في الفترة نفسها على مفاتيح غرف أخرى تحتوي على وثائق وأوراق تاريخية خاصة بالحرم والمسلمين.
وتعتبر الجهات الفلسطينية، وفق أبو سنينة، أن استمرار هذه الإجراءات بعيداً عن إشراف الأوقاف يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض تمسّ الوضع الديني والتاريخي للمسجد، في ظل ما تصفه بمحاولات لتقليص دور وزارة الأوقاف وتهميش صلاحياتها، رغم كونها الجهة المخوّلة قانونياً وإدارياً بالإشراف على الحرم، مشيراً إلى أنهم يواصلون إجراء اتصالات مع الجهات الرسمية في السلطة الفلسطينية برام الله لوضعهم في صورة تفاصيل الانتهاكات الإسرائيلية بغية التدخل بالإجراءات الدبلوماسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك