سكاي نيوز عربية - هولندا تحسم الصدارة BBC عربي - كأس العالم 2026: هولندا تفوز على تونس 3 الجزيرة نت - مباشر مباراة أستراليا ضد باراغواي في كأس العالم 2026 الجزيرة نت - بمقابل قياسي.. مانشستر سيتي يحسم صفقة أندرسون رويترز العربية - كوريا الجنوبية: خروج 8 سفن أخرى من مضيق هرمز العربية نت - اليابان تتأهل برفقة السويد وكالة شينخوا الصينية - الجزائر توقع رسالة دولية مشتركة تدعو لمراجعة لائحة الاتحاد الأوروبي للميثان قناة القاهرة الإخبارية - موجز أخبار الرابعة صباحا من القاهرة الإخبارية الجزيرة نت - فرنسا تستهدف الصدارة وفاء للقائد الغائب العربية نت - هولندا تهزم تونس بثلاثية وتواجه المغرب في دور الـ32
عامة

المدرّج الروماني... ذاكرة الحجارة شاهدة على هشاشة الإنسان

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

لم يخطر في بال الرومانيين عندما شيّدوا مدرّجهم في مدينة فيلادلفيا، التي تُعرف اليوم باسم عمّان، أن هذا المكان سيشهد، بعد ألفي عام، حضوراً حاشداً (تجاوز الستة آلاف شخص) من أجل مشاهدة مباراة كرة قدم في ...

لم يخطر في بال الرومانيين عندما شيّدوا مدرّجهم في مدينة فيلادلفيا، التي تُعرف اليوم باسم عمّان، أن هذا المكان سيشهد، بعد ألفي عام، حضوراً حاشداً (تجاوز الستة آلاف شخص) من أجل مشاهدة مباراة كرة قدم في بطولة كأس العالم 2026، تجمع المنتخبين الأردني والجزائري.

وقد فاز فيها الأخير بهدفين مقابل هدف.

تُوثّق هذا الحضور الجماهيري الهائل صورٌ حظيت بانتشار كبير في وسائل الإعلام المحلية والعربية، لما للمشهد من هيبة.

للأسف، الخسارة الكبرى كانت حين تدافعت الحشود بعد انتهاء المباراة، ما أدّى إلى إصابة ثمانية أشخاص ومقتل فتى.

لعلّ هذا التلاحم البصري بين حشود القرن الحادي والعشرين وحجارة القرن الثاني الميلادي، يعيد فتح النقاش حول فلسفة العمارة الرومانية وقدرتها الاستيعابية الفائقة؛ فهذا الصرح الذي شُيّد في عهد الإمبراطور أنطونينوس بيوس عندما كانت عمّان تُعرف بفيلادلفيا، كان عملاً هندسياً متقناً، صُمم بدقة ليستوعب نحو ستة آلاف متفرّج.

تظهر الصور التي انتشرت، كيف يتربع المدرّج بمهابة في قلب الجغرافيا الحضرية لعمّان الحديثة، محاطاً بالبيوت السكنية المتراصّة على التلال، وكأنه نقطة التقاء أبدية بين التاريخ والحياة المعاصرة.

في الصور، أيضاً، يُلاحظ أمرٌ مهم: كان المدرّج قديماً يتوزع على ثلاثة أقسام أفقية متدرّجة هرمياً (الطبقة الحاكمة تحظى بالصفوف الأمامية، يليها العساكر في المنتصف، ثم عامة الشعب في الأعلى).

يتلاشى هذا تماماً في الحاضر؛ إذ تذوب الفوارق الطبقية بين الناس على صفوف المدرّج، لتتحوّل الحشود في المشهد إلى كتلة جماهيرية متجانسة هائمة بشغف مشترك، تحتشد أمام شاشة عرض حديثة لبعث روح موحدة، متجاوزةً الانقسامات الاجتماعية.

تتجلى جماليات الهندسة الرومانية في هذا المكان من خلال الفنّيات والتقنيات الصوتية المتقدّمة، لا سيما في نظام الصوت الذكي القائم على التصميم المنحني والبارع للمكان؛ إذ يتيح هذا الهيكل الفريد انتقال الصوت ووصوله بوضوح ونقاء كاملين من دون أي تشويه إلى المقاعد كافة، حتى أبعدها في أقصى الصفوف العليا.

وإذا كان المدرّج في ماضيه السحيق قد صُمم ليكون مركزاً للفعاليات الثقافية والاجتماعية، كالمسرحيات والاحتفالات الدينية، فإنه اليوم مزار سياحي بارز ومعلم أثري مستعاد، تُقام فيه العروض الفنية والموسيقية دائماً ليحافظ على وظيفته التاريخية.

لكن المفارقة النقدية تبرز حين تتحوّل هذه العبقرية الهندسية، المصمّمة لاحتواء وهج الضوء والصوت إلى مأزق مادي أمام التدفق البشري العنيف؛ فالتقنيات التي أبدعها الرومان لتسهيل الرؤية الجماعية، واجهت اختباراً قاسياً أمام الانفعالات الجماهيرية المتفجرة لمباريات كرة القدم، ما يفرض مراجعة نقدية حول طرق استغلال هذه الفضاءات الأثرية في الفعاليات المعاصرة الكبرى وضوابط سلامتها.

وعند معاينة حادثة التدافع المأساوية التي تلت المباراة، وقراءة مشهد الكثافة البشرية في الصور، نجد أنفسنا أمام مواجهة حتمية بين صلابة الحجر الأثري وهشاشة الجسد البشري في لحظات الفوران الجمعي.

نشاهد في الصور ازدحاماً خانقاً يملأ جنبات المدرّج مع انتشار عناصر التنظيم والأمن عند القاعدة، وهي لقطة تلخّص تحوّل الصرح التاريخي من مساحة للتفريغ الثقافي والترفيه إلى فضاء مشحون بالتوتر والاضطراب.

اعتمد الرومان في بناء المدرّج على النحت في سفح التل بدل البناء التقليدييشير هذا إلى أن العمارة الرومانية، رغم تقنياتها في توفير مسارات متدرّجة، لم تكن مهيأة هندسياً للتعامل مع سلوكيات الجماهير الحديثة، الناجمة عن صدمات الخسارة الرياضية، والتدافع العارم لآلاف الأشخاص عبر مخارج وبوابات تاريخية ضيقة، لم تعد تلائم المعايير المعاصرة لإدارة الحشود.

وإزاء هذا التناقض المعماري والإنساني، لا بد من الإشارة إلى براعة الرومان في تسخير الجغرافيا لمصلحة فنون العمارة؛ إذ نُحت المدرّج في قلب التل المجاور ليكون امتداداً عضوياً للأرض.

تتجلى أبهى صور هذه الحكمة الهندسية في توجيه المدرّج باتجاه الشمال؛ وهو تصميم ذكي ومقصود هدف أساساً إلى حماية المتفرّجين من أشعة الشمس المباشرة، لتبقى أعينهم مسلطة على الساحة من دون وهج مزعج.

هذا التواطؤ بين حركتي الضوء والظل، يضفي على المدرّجات الحجرية هالة أسطورية، وتحديداً عند القمة العليا؛ حيث كان ينتصب مزار صغير مكرس للآلهة (يُعتقد أنه للإلهة أثينا)، حارساً صامتاً يراقب المشهد.

اليوم، استُبدل ضوء الطبيعة بكشافات الإنارة الساطعة، وتحوّل المزار إلى صدى بعيد، لكن المدرّج ظل وفياً لانحناءته القوسية، فيحتضن زواره ليمسي شاهداً حياً على تعاقب الأزمنة، وتمتزج في مدرّجاته صرامة الحجر الأبدي بهشاشة اللحظة الإنسانية العابرة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك