ربح الإنتاج المصري، ولا سيما الغذائي منه، التنافس الذكي واخترق أسواق تركيا من أوسع الأبواب، مستفيداً من فجوة التضخم التركي وقلة تكاليفه وزيادة الدعم الحكومي المصري، ليغدو خياراً مستهدفاً، جراء السعر والجودة والتغليف، ليس للمستهلك المصري والعربي، بل ولبعض الأتراك الذين يعتبر تغيير نمطهم الغذائي، أمراً بالغ الصعوبة.
يرى تاجر المواد الغذائية في إسطنبول، المصري محمود إبراهيم الشحري أن استخدام مصطلح" غزو" تركيا ببضاعة مصرية غير دقيق لأن الإنتاج التركي الغذائي منافس وله سمعة إقليمية وعالمية.
ولكن فارق السعر، رغم تكاليف النقل وحلقات البيع، زاد من الطلب على المنتج المصري من العرب والإيرانيين، لكننا لم نزل نجد صعوبة بالبيع للأتراك وتعويدهم على منتجاتنا، ذلك أن" كسر نمط التركي الغذائي صعب وليس من السهولة شراؤه منتجاً غير تركي".
ويرى الشحري خلال حديثه لـ" العربي الجديد" أن هناك أسبابا عدة زادت من حضور الإنتاج المصري في السوق التركية، منها زيادة عدد المصريين" بعد تسهيل إجراءات التأشيرات والفيزا" وعدد العرب والإيرانيين.
كما أن انسحاب عدد كبير من السوريين، بعد تحرير بلدهم، خلق فجوة بالسوق سدها الإنتاج المصري، وأولاً وأخيراً يأتي السعر المنخفض قياساً مع الإنتاج التركي، خاصة في الأعوام الثلاثة الأخيرة التي زادت خلالها الأسعار أكثر من 200% لبعض السلع.
وعن فارق الأسعار وأهم السلع المصرية في السوق التركي، يضيف التاجر المصري أن معظم المواد الغذائية التي دخلت السوق التركية هي أرز، شاي، تمور، مانغو، منتجات مجمدة، خضر وفواكه، بقوليات وغيرها، مشيراً إلى أن فارق السعر يبلغ نحو 30%، وذلك ربما من أهم أسباب زيادة الإقبال العربي وبعض الأتراك خاصة على الفاكهة الاستوائية لأن المستهلك، برأيه يبحث عن الأرخص إن كان ذا جودة ومواصفات جيدة، بعد موجة التضخم وغلاء تكاليف المعيشة بتركيا.
بدوره، يقول المهندس المصري المقيم بتركيا منذ 12 سنة، محمد فراج، لـ" العربي الجديد"، إن أسباب زيادة استهلاك الإنتاج المصري وحضوره بالسوق التركية، تعود لوجود" كتلة كبيرة من المستهلكين" نحو 50 ألف مصري ونحو 4 ملايين عربي، تجذبهم السلع المصرية لرخص سعرها وجودتها، ولكن للعلم والإنصاف، لا يقتصر الإنتاج المصري على المواد الغذائية، بل أثبتت الملابس والقطنيات والمنتجات المنزلية والبلاستيكية والزيوت والأسمدة وحتى الآلات والمعدات الكهربائية، حضورها وتنافسها، بالسعر، بالسوق التركية.
ويلفت فراج إلى أن الشركات التركية العاملة في مصر، بعد هجرتها لرخص تكاليف الإنتاج، تورّد إنتاجها للسوق التركية، وهي الأعلم بالنمط الإنتاجي وذوق المستهلكين، وهذا فضلاً عن كون تركيا حلقة وصل جذبت مصريين وغيرهم للعمل والاستثمار والإنتاج والتصدير.
ويشير المتحدث إلى زيادة انتشار المحال المصرية في المدن الكبرى كإسطنبول، وفي مقدمتها المطاعم، لسد حاجة استهلاك الجالية العربية، بعد تراجع الوجود السوري، مبيناً أن إنفاق العرب على الاستهلاك اليومي من غذاء يختلف عن النمط التركي الذي غلب عليه شراء كميات قليلة" الفواكه والخضر بالحبة" بعد ارتفاع الأسعار والخلل بين الدخل والإنفاق.
ويعتقد المصري فراج أن القاهرة" تبنت استراتيجية دعم الصادرات لوصول قيمتها إلى 145 مليار دولار عام 2020" مستفيدة، في ما يتعلق بتركيا، من اتفاقية التجارة الحرة الموقعة عام 2005 التي تعفي السلع الصناعية من الجمارك وتعطي للمنتجات الزراعية معاملة تفضيلية، داعياً إلى إعادة النظر بالاتفاقية التي دخلت حيز التنفيذ عام 2007، بعد التقارب السياسي والسعي لزيادة التبادل.
لا يرى المحلل والأكاديمي التركي، وهبي بايصان أن في الإنتاج" المصري أو السوري" خطراً على الإنتاج التركي، رغم أنه أقل سعراً، لأن المواد المستوردة من المنطقة العربية وإيران، مستهلكها المستهدف جالية تلك البلدان بالدرجة الأولى، وقليلا ما تجد أتراكاً يستهلكون المنتجات العربية" عدا التي لا تكون متوفرة كالفاكهة الاستوائية التي تأتي من مصر والمانغو أولاً"، ولكن يضيف بايصان مستدركاً أن الحديث يختلف عن الملابس والأحذية والجلديات المستوردة من مصر، لأن معظمها من إنتاج شركات تركية اختارت مصر لقلة تكاليف الإنتاج بعد ارتفاع أسعار المواد الأولية و الطاقة وأجور العمالة بتركيا.
وهذا، من منظور اقتصادي، صفعة للصناعي والمزارع التركي، وايضاً للحكومة، لتعيد النظر بتكاليف الإنتاج والسعر النهائي، قبل أن تخسر المستهلك التركي.
ويضيف المحلل التركي لـ" العربي الجديد" أن السوق التركية واسعة وكبيرة" تتسع للجميع" فكما تنتشر منتجات ومطاعم مصرية وسورية، هناك منتجات ومحال أذرية وإيرانية وحتى أوروبية، تستهدف جاليات تلك الدول، والأهم، التركيز على السياح الوافدين لتركيا، فالسائح العربي عامة، تجذبه المطاعم العربية وكذا بقية الجنسيات.
وعن دور التقارب السياسي في زيادة المنتج المصري بتركيا، يعتبر بايصان ذلك مهما جداً، ليس على صعيد حجم التبادل التجاري الذي لم يتأثر كثيراً، خلال التوترات السياسية خلال العقد الماضي، بل على مستوى زيادة قدوم المصريين وإقامة أعمال بقطاعات عدة، كالعقارات والغذاء والتجارة.
تنامي التجارة بين تركيا ومصر بفعل السياسةدفع تحسن العلاقات السياسية، التركية المصرية، عجلة الاقتصاد، استثمارات وتجارة.
فقد ارتفع حجم التبادل عام 2025 إلى نحو 7 مليارات دولار حسب بعض المصادر، وتنوعت الصادرات المصرية إلى تركيا والبالغة 3.
2 مليارات دولار بين المواد الغذائية والملابس الجاهزة، وقود وزيوت معدنية، لدائن ومصنوعاتها (بلاستيك) وحديد وصلب وآلات وأجهزة كهربائية.
وتجلى الدفع بعد زيارات التحول وكسر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان جليد العزلة فزار مصر في فبراير/شباط 2024 ورد الرئيس المصري عبد الفتاح السياسي الزيارة في ديسمبر/كانون الأول من العام ذاته، قبل أن يزور الرئيس التركي، في فبراير الماضي القاهرة، لتؤسس الزيارات أرضية لعودة العلاقات، ومنها الاقتصادية والتي لم تتأثر، بحسب مراقبين، بتوتر العلاقات السياسية خلال العقد الماضي.
ووقع البلدان، بعد الاجتماع الأول لمجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى، على 17 اتفاقية ومذكرة تفاهم بقطاعات لتعليم العالي، والسكك الحديد، والطيران المدني، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والتعاون العلمي والاقتصادي والفني في الزراعة، والصحة والعلوم الطبية، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتطويرها، والسياحة والثقافة، والمواضيع المالية والاقتصادية، والعمل والتوظيف، وحماية البيئة، والتطوير العمراني.
ليصل حجم التبادل، وفق تصريح الرئيسين، إلى 15 مليار دولار وتزيد الاستثمارات خلال السنوات القليلة المقبلة.
وفي حين ارتفعت الاستثمارات التركية في مصر إلى 175.
1 مليون دولار خلال عام 2025، مقارنة مع 165 مليون دولار في العام السابق بلغت الاستثمارات المصرية بتركيا نحو 74 مليون دولار خلال العام الماضي مقارنة بـ 54 مليون دولار في عام 2024، لتصل الاستثمارات التركية بمصر، بعد هجرة الشركات العام الماضي وهذا العام، إلى نحو 4 مليارات دولار وفق السيسي، الذي أضاف خلال استقبال الرئيس التركي، في فبراير الماضي، أن حجم التبادل التجاري بين مصر وتركيا وصل إلى 9 مليارات دولار، والعمل جار على رفعه إلى 15 ملياراً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك