أعلن رئيس لجنة المال والموازنة في البرلمان اللبناني، النائب إبراهيم كنعان، في 22 يونيو/ حزيران الجاري، أن اللجنة أقرت مشروع الإقامة الذهبية في لبنان، ضمن مشروع يهدف إلى منح إقامة للمستثمرين غير المقيمين مقابل استثمار لا يقل عن 500 ألف دولار.
ودافع كنعان عن المشروع مبرّراً بأنه يهدف إلى إيجاد فرص عمل وتأمين إيرادات لخزينة الدولة عبر جذب استثمارات جديدة، مشدّداً على أن المشروع لا يتعلق بمنح الجنسية اللبنانية ولا بتسهيل التملك خارج القوانين القائمة، فالمشروع اختياري وليس إلزاميّاً وموجّها، بحسب كنعان، لمن لديهم مصلحة بما سماها" إقامة ضريبية".
في الشكل والمضمون، يعتبر المشروع جاذباً للمستثمر الأجنبي إلى لبنان، البلد الذي يرزح تحت ويلات اقتصادية يصنفها بعضهم بزلزال اقتصادي لم يشهد مثله البلد منذ نال استقلاله عام 1943.
وزادت حروب الإسناد التي قام بها حزب الله كوارث اجتماعية تمثلت في بعض منها بإزالة العدو الإسرائيلي مناطق جنوبية عن الخريطة.
لا نقاش في أن مشروع لجنة المال والموازنة يعتبر اليوم حاجة إنقاذية للواقع الاقتصادي المترهل، سيما وأنه يستهدف فئة من رجال الأعمال الراغبين في الاستثمار ليس في القطاع المصرفي بسبب الحالة الكارثية التي أصابت هذا القطاع بعد ثورة 17 تشرين الأول (2019)، لكن حتماً في الاستثمار في مجالات السياحة والزراعة والصناعات الصغيرة، الأمر الذي يدفع العجلة الاقتصادية ويوفر فرص عمل لعشرات آلاف من اللبنانيين الذين يدخلون في تعداد العاطلين من العمل.
تباينت ردات الفعل الداخلية على هذا المشروع، كما حال أي مشروع يطرح على لبنان، بين مؤيد وداعم وبين رافض وناقد.
فالمؤيدون له اعتبروا أنه وسيلة جذب رؤوس الأموال الأجنبية في ظلّ الأزمة الاقتصادية، وتحفير الاستثمار وزيادة الايرادات العامة.
هذا لا خلاف عليه، لاسيما أن المشروع طرح في مجلس النواب، بعد قرار ولي عهد السعودية، محمد بن سلمان، بفتح باب الاستيراد للمنتجات اللبنانية، بعدما كانت أبواب التصدير مقفلة لاعتبارات سياسية، ومنعاً لتهريب حبوب الكبتاغون التي كانت تهرّب من لبنان.
مشروع" الإقامة الذهبية" لا يتعلق بمنح الجنسية اللبنانية ولا بتسهيل التملك خارج القوانين القائمةاعتبر كنعان وأعضاء لجنته أن لبنان، رغم كل ما يعانيه، يعيش اليوم حالة من التعافي الاقتصادي والسياسي، خصوصاً في ظلّ الضوابط التي يطبقها على مطاره ومرفئه من ناحية التهريب أو تجارة المخدرات.
إذ يعتبر أن هذا العهد ذاهب بجدية نحو تمتين المؤسسات الحكومية على حساب التفلت، لأنّه يدرك أن لا مساعدات ولا مؤتمرات داعمة للبنان، إلا بعد القيام بإجراءات أساسية لمكافحة الفساد وإعادة هيكلة القطاع العام وضبط الرشوة.
يحتاج الاقتصاد اللبناني إلى مشاريع كهذه، وهو الذي يدرك أن تقديم الدعم العربي أو الأجنبي لن يكون هذه المرّة عبر تدفق الأموال، في ظل فساد لم يزل مستشرياً رغم العمل على مكافحته.
لكنّ الدعم سيكون غير مباشر، أي عبر دفع المستثمرين نحو تشغيل قسم من أموالهم في لبنان.
لهذا لم يقتصر الترغيب على" الإقامة الضريبية"، لكنّه ترافق مع قرار لوزير الداخلية والبلديات، أحمد الحجار الذي دفع بالخطة الأمنية الشاملة ليبروت الإدارية، عبر تفعيل الحواجز ومنع التعدّيات، والأهم أنه لم يطرحها ضمن مدى زمني، ما يجعل الأمن مستقراً إلى حدّ ما.
سلسلة اجراءات تقوم بها الحكومة اللبنانية تهدف إلى تعزيز بناء دولة القانون المؤسّسات، لأنها تدرك جيداً أن في غيابهما لن يأتي المستثمر.
فبيروت مدينة منزوعة السلاح، نموذج يجب أن يطبق لاحقاً على مناطق أخرى في ظل الحديث عن نجاح المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية برعاية أميركية.
ومستندة إلى الحالة الانفراجية التي أتت بها المفاوضات الإيرانية الأميركية لتفرض واقعاً آخر في الجبهة اللبنانية.
بيروت مدينة منزوعة السلاح، نموذج يجب أن يطبق لاحقاً على مناطق أخرى في ظل الحديث عن نجاح المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية برعاية أميركيةلدى لبنان أصدقاء دائمون يقفون إلى جانبه في أحلك الظروف، وهذا ما يتبدّى في الدورين القطري والفرنسي اللذين يعملان ليس فقط على وقف دائم للنار في لبنان، لكن على تعبيد الطريق لنهضة الدولة اللبنانية.
هذا ما دفع لجنة المال إلى تبنّي هذا المشروع رغم موجة الانتقادات المحقّة في كثير منها، سيما التي شككت بقدرة لبنان حاليّاً على جذب المستثمر عبر الإقامة وحدها من دون إصلاحات واسعة، أو تأمين أبسط مقومات الدولة من كهرباء ومياه وحتى طرقات.
بين الاعتراض والتبنّي، تبقى الحاجة إلى مشاريع كهذه لتمويل خزينة الدولة العاجزة عن رفع أجور موظفيها إن لم نقل إنها عاجزة عن تقديم الخدمات الأساسية للمواطن.
لكن طبعاً، هذا مرتبط بالمفاوضات التي تجريها الدولة في واشنطن، والتي تحظى بغطاء عربي ودولي واسع، لأنّ أي خطوة ناقصة ستكون لها ارتدادات سلبية على المشروع وعلى الكيان اللبناني حتماً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك