قبل أسابيع، حقق فيلم" برشامة" إيرادات كبيرة جعلته واحدا من أكثر الأفلام المصرية تحقيقا للإيرادات.
وتدور فانتازيا الفيلم داخل لجنة امتحان لطلاب الثانوية العامة بنظام المنازل، حيث تتحول اللجنة إلى ساحة غش جماعي في إطار كوميدي ساخر.
ويبدو أن الفيلم، وعلى سبيل المصادفة، كان إسقاطا لما حدث في مصر قبيل امتحانات الثانوية العامة، حيث انتشرت شائعات عن تسريب إحدى المواد قبل ساعات من بدء اللجنة.
وزعمت صفحات" شاومينج" عبر مواقع التواصل الاجتماعي تسريب امتحان مادة" التربية الوطنية"، فيما نقلت وسائل إعلام محلية عن مصادر داخل وزارة التربية والتعليم نفيها القاطع لحدوث أي تسريب.
بيد أن صورة لورقة أسئلة" مسربة" أثارت حالة واسعة من الجدل في أكبر بلد عربي من حيث عدد السكان.
لا تعد ظاهرة" شاومينج" المرتبطة بتسريب امتحانات الثانوية العامة وليدة اللحظة، بل تعود إلى العقد الماضي.
فمنذ سنوات، انتشرت صفحات" شاومينج" على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة" تليغرام"، حيث تزعم قدرتها على تسريب امتحانات الثانوية العامة فور توزيعها على الطلاب مع تقديم إجابات نموذجية.
ويتم التسريب داخل مجموعات سرية، حيث طُلب في إحدى السنوات من الطلاب الانضمام إلى مجموعات مغلقة على" واتساب" للحصول على الأسئلة المسربة.
وفي هذا السياق، قالت الصحفية المستقلة ياسمين علي إن" شاومينج لا يمثل إلا تحديا لوزارة التربية والتعليم وأجهزة الدولة؛ فالغشاشون قادرون على الغش في الخفاء، لكن هدف شاومينج هو الإعلان عن رفض سياسات التعليم والتحدي بالغش العلني، بما يضع الحكومة في مأزق أمام الرأي العام.
"وأضافت أن خطورة الغش تكمن في تأثيره على مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب، حيث" يولد إحساسا بالظلم لدى المتفوقين ويدفع بعضهم إلى الشعور بالغضب وعدم الانتماء، بل والهجرة إذا أُتيحت لهم الفرصة، ليكون المجتمع هو الخاسر في النهاية.
"ورغم مساعي الحكومة لإغلاق مثل هذه الصفحات، فإنها لا تزال تمثل" كابوسًا" يهدد منظومة امتحانات الثانوية العامة المصيرية.
وحذرت السلطات الطلاب والطالبات من تصوير الامتحانات، كما فرضت إجراءات تفتيش قبل دخول اللجان مع منع اصطحاب الهواتف المحمولة كما تعهدت بتكثيف أعمال المتابعة داخل لجان الامتحانات مع تطبيق إجراءات حاسمة لضمان نزاهة الامتحانات.
وقانونيا، سعت الحكومة إلى تغليظ عقوبة الغش، التي كانت تقتصر سابقا على الحرمان من الامتحان لمدة عامين، لتصل حاليا إلى الحبس لمدة قد تصل إلى عامين وبحد أقصى سبعة أعوام بالإضافة إلى غرامة مالية تتراوح بين 100 ألف و200 ألف جنيه.
وفي هذا الإطار، قال الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، إن الإجراءات الحالية" ليست كافية؛ لأن مواجهة الغش تتطلب مجموعة من التدابير المتأنية، خاصة في ما يتعلق بالأجهزة الذكية مثل السماعات والساعات والنظارات، وهو ما يستدعي إجراءات فعالة للحد من استخدامها.
"وأضاف في مقابلة مع DW عربية أن هذه الإجراءات قد تشمل" تعطيل الإنترنت داخل لجان الامتحانات إلا أن ذلك غير مطبق فعليا نظرا لتعارضه مع القانون والدستور، فضلا عن ضرورة استخدام وسائل تفتيش إلكترونية حديثة، بينما الواقع يشير إلى أن الوسائل الحالية ما تزال بدائية.
"وأشار إلى أن" نظام الامتحانات نفسه، الذي يعتمد على (البابل شيت) بنسبة تتراوح بين 85% و100%، يسهم في تسهيل الغش، ولذلك ينبغي زيادة نسبة الأسئلة المقالية بحيث لا تقل عن 50% من إجمالي الامتحان.
"وتحدد امتحانات الثانوية العامة مصير الطلاب والطالبات إلى حد كبير حيث أنه كلما ارتفعت الدرجات زادت فرص الالتحاق بما يُعرف بـ" كليات القمة".
ويعتمد الالتحاق بهذه الكليات مثل الطب والهندسة على" نظام التنسيق" القائم أساسا على مجموع الدرجات، في ظل تزايد المنافسة وقلة عدد المقاعد مقارنة بأعداد الطلاب.
ويرى خبراء أن مشهد" القط والفأر" بين مسربي الامتحانات من جهة والطلاب الساعين للحصول عليها من جهة أخرى وبين الدولة، سيظل مستمرا.
ويؤكد المتخصصون أن هذه الظاهرة ترتبط، جزئيا على الأقل، بغياب" البعد الأخلاقي" حيث أن المسرب لا يرى في فعله مخالفة دينية أو أخلاقية، كما أن بعض الطلاب والطالبات لا يعتبرون الحصول على الامتحانات بهذه الطريقة غشا أو سلوكا مخالفا للقانون.
وقالت الصحفية ياسمين علي إن بعض الخبراء طرحوا حلولا لمواجهة الغش، من أبرزها إنشاء" بنوك أسئلة" وإجراء اختبارات إلكترونية.
وأوضحت أن هذه البنوك تعتمد على إعداد امتحانات بشكل آلي" دون تدخل بشري، بحيث تختلف الأسئلة بين الطلاب مع الحفاظ على نفس مستوى الصعوبة، على غرار اختبارات التوظيف التي تجريها الدولة".
وأشارت إلى أن هذه الطروحات قوبلت" باعتراضات مجتمعية، حيث يشكك البعض في قدرة الدولة على تطبيقها بحيادية، فيما يرفض آخرون وجود نظام صارم قد يحول دون قدرتهم على الغش".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك