لم يكن مساء الأربعاء مختلفا عن غيره في المدن الساحلية الفنزويلية، عاد الآباء من أعمالهم، وانشغل الأطفال باللعب أمام المباني السكنية، وبدأت العائلات تستعد للعشاء، لكن بعد دقائق فقط، تحولت تلك اللحظات اليومية إلى ذكريات أخيرة لكثيرين، عندما ضرب زلزالان متتاليان شمال البلاد بفارق لا يتجاوز 40 ثانية، في أقوى هزة أرضية تشهدها فنزويلا منذ أكثر من قرن.
في ساعات قليلة، انهارت أبراج سكنية كاملة، وانشطرت الطرق، وتعطلت المستشفيات والمطارات، بينما انقطعت الكهرباء والاتصالات عن أحياء واسعة.
list 1 of 2اليابان ترفع التحذير من تسونامي بعد زلزال بقوة 7.
5 درجاتlist 2 of 2زلزال بقوة 7.
6 يضرب الفلبين وتحذيرات من تسوناميلكن خلف الأرقام المتزايدة للقتلى والجرحى والمفقودين، كانت هناك مأساة أخرى يصعب قياسها بالإحصاءات: آباء ينبشون الأنقاض بأياديهم العارية بحثا عن أطفالهم، وأمهات يحبسن أنفاسهن لسماع أصوات استغاثة تخرج من تحت الركام، وأطباء يواجهون الموت بإمكانات تكاد تكون معدومة، ومتطوعون تحولوا فجأة إلى فرق إنقاذ في سباق مع الزمن.
هذه المشاهد رصدتها أقلام مراسلي كبريات الصحف الأمريكية، وتحديدا نيويورك تايمز وواشنطن بوست وفورين بوليسي وول ستريت جورنال، ليرسموا صورة معبرة لبلد عاش واحدة من أكثر لياليه رعبا، حيث أصبحت المدن أشبه بساحات حرب، وأضحى الناجون شهودا على كارثة ستظل محفورة في ذاكرة فنزويلا لعقود.
عاد الأب، خوسيه مانويل تشافيز، مسرعا إلى المنزل، لكنه لم يجد سوى كومة هائلة من الخرسانة والحديد، المبنى الذي كان يضم شقته اختفى تقريبا، والساحة التي كان يلعب فيها ابنه تحولت إلى تلة من الأنقاضفي ولاية لا غوايرا الساحلية، التي تحولت من مصيف مبهج وبوابة للعاصمة كاراكاس إلى ما يشبه ساحة حرب مدمرة، تتجسد أقسى صور الفجيعة الإنسانية، كما أوردتها صحيفة نيويورك تايمز في تقريرين.
هناك كان خوسيه مانويل تشافيز واقفا فوق ركام منزله وقد ارتسمت على وجهه ملامح اليأس، باحثاً بأصابعه العارية عن طفله الوحيد براين أليكس ذي الأعوام الثمانية.
كان براين ينتظر عودة والده من العمل، بعث إليه رسائل يسأله فيها متى سيعود إلى المنزل، وبعد قليل خرج ليلعب مع أصدقائه أمام المبنى السكني، ولم تمض سوى لحظات حتى اهتزت الأرض بعنف.
عاد الأب، خوسيه مانويل تشافيز، مسرعا إلى المنزل، لكنه لم يجد سوى كومة هائلة من الخرسانة والحديد، المبنى الذي كان يضم شقته اختفى تقريبا، والساحة التي كان يلعب فيها ابنه تحولت إلى تلة من الأنقاض.
قضى الرجل الليل كله يحفر بيديه المجردتين، ينادي ابنه بين الركام، رافضًا تصديق أن الرسائل التي تلقاها قبل دقائق كانت آخر ما سيجمعه بطفله الوحيد، وبحلول صبيحة الخميس، كان الأب المكلوم يتمتم بكلمات تخنقها العبرات: " أنا محطم تماما"، مستسلماً للحقيقة المرة بأن طفله قد غدا تحت التراب.
قصة براين لم تكن سوى واحدة من مئات القصص التي بدأت تتكشف مع انبلاج صباح الخميس، بعدما خلّف الزلزالان، اللذان وقعا بفارق 39 ثانية فقط، دمارا واسعا في ولايات شمال فنزويلا، ولا سيما لا غوايرا وكاراكاس وياراكوي وكارابوبو وأراغوا.
وفي تقرير آخر نشرته نيويورك تايمز، رسم الصحفي ليو ساندز صورة أشمل لحجم الكارثة، وأشار إلى أن الزلزال الأول بلغت قوته 7.
2 درجة، أعقبه بعد أقل من دقيقة زلزال ثان بلغت قوته 7.
5 درجة، وهو الأعنف الذي يضرب فنزويلا منذ عام 1900.
وأضاف أن الزلزالين وقعا على عمق ضحل نسبيا، مما ضاعف من قوتهما التدميرية، في حين رجح خبراء الزلازل استمرار الهزات الارتدادية خلال الأيام التالية، لكن الأرقام، مهما بلغت قسوتها، لم تكن قادرة على نقل حقيقة ما عاشه السكان.
فبينما كانت السلطات تعلن تباعا ارتفاع أعداد القتلى والجرحى والمفقودين، كانت المراسلة توركويتز تنقل، من خلال مشاهداتها في لا غوايرا، صورة لمدينة لم تعد تشبه نفسها.
فالمنتجع الساحلي الذي كان يستقبل القادمين عبر مطار سيمون بوليفار الدولي بدا، بحسب وصفها، وكأنه" ساحة حرب"؛ مبانٍ سويت بالأرض، وأخرى فقدت واجهاتها وتحولت إلى هياكل إسمنتية خاوية، وطرقات انشقت وارتفعت أطرافها، فيما بقيت جثامين في بعض الشوارع بانتظار من ينتشلها.
وتلفت المراسلة إلى أن كثيرين من السكان كانوا يعتقدون أن أعداد الضحايا الفعلية أكبر بكثير من الأرقام الرسمية، إذ أكد بعض من تجمعوا منهم أمام أحد المباني المنهارة أن مئات الأشخاص ربما لا يزالون محاصرين تحت الأنقاض.
هذه الصورة نفسها وجدت صداها في تقرير لصحيفة واشنطن بوست من لا غوايرا رصدت فيه كيف تحولت الأحياء السكنية إلى ورش إنقاذ شعبية، بعدما سبق السكان والمتطوعون فرق الطوارئ إلى الحفر بين الأنقاض.
وذكرت الصحيفة أن الجيران والمتطوعين تمكنوا لاحقا من انتشال فتاتين (16 عامًا و22 عامًا) ونقلهما إلى مستشفى خوسيه ماريا فارغاس، بينما بقيت الأم تحت الأنقاض، ولم تصل فرق الإنقاذ الحكومية إلى الموقع إلا بعد ساعات طويلة من بدء الأهالي عمليات البحث.
وعلى بعد أمتار قليلة، كانت امرأة توزع على المارة أوراقا كُتبت عليها أسماء المفقودين بخط اليد، لعل أحدا يعرف مصيرهم.
ومن موقع آخر، تروي واشنطن بوست مأساة ماربيليس غوايكارا، التي وصلت إلى مبنى انهار بالكامل بحثا عن والدتها، البالغة من العمر 75 عامًا، والتي كانت تعيش مع شقيقتها وابنيها في الطابق العلوي.
لكن غوايكارا لم تستطع الوصول إليهم في الليلة الأولى، إذ كانت منشغلة بإنقاذ ابنتها ذات الــ29 عامًا من مبنى آخر انهار في كاتيا لا مار.
وقفت أمام الركام، ثم قالت لواشنطن بوست، وهي تحبس دموعها: " كل ما أريده هو أن أجد عائلتي.
"وفي رواية ميدانية أخرى تنقلها جولي توركويتز في نيويورك تايمز، يقف الطبيب المقيم إسحاق ميراندا خارج مبنى سكني متصدع، لا بصفته طبيبا هذه المرة، بل حفيدا يبحث عن جده البالغ 72 عامًا، الذي يعتقد أنه لا يزال تحت الأنقاض.
جاءت الكارثة في وقت لا تزال فيه فنزويلا تعاني انهيارا اقتصاديا ممتدا منذ سنوات، أضعف المستشفيات وشبكات الكهرباء والنقل والخدمات العامةكان ميراندا قد أمضى الليلة السابقة في المستشفى يعالج المصابين، قبل أن يخرج مع أول ضوء للبحث عن أحد أفراد أسرته.
ويقول للمراسلة: " كان الناس يصلون كل دقيقة… وخلال 4 ساعات فقط أحصينا 50 وفاة، معظمهم أطفال.
"وتكتسب شهادة الطبيب أهمية خاصة لأنها تختصر أزمة أعمق من الزلزال نفسه، فبحسب تقرير آخر في نيويورك تايمز، جاءت الكارثة في وقت لا تزال فيه فنزويلا تعاني انهيارا اقتصاديا ممتدا منذ سنوات، أضعف المستشفيات وشبكات الكهرباء والنقل والخدمات العامة، وهو ما انعكس مباشرة على قدرة أجهزة الدولة على الاستجابة السريعة.
فبينما كانت فرق الإنقاذ الرسمية تشق طريقها بصعوبة، كانت يورليانا كولميناريس تقف -كما تروي نيويورك تايمز- أمام مبنى تحول إلى ركام، محدقة في أكوام الإسمنت التي ابتلعت صديقها.
كانت تُسمع أصوات طرقات متقطعة تأتي من الداخل.
أشخاص ما زالوا أحياء.
لكن لم يكن هناك رجال إطفاء، ولا رافعات، ولا معدات تستطيع الوصول إليهم.
وقالت كولميناريس إنها كانت تسمع الناجين يطرقون من تحت الأنقاض.
وفي مكان قريب، كانت امرأة أخرى تصرخ في وجه المشهد كله: " أختي كانت تعيش هنا.
لا أرى أحدا.
هذا إهمال الحكومة.
"في زاوية أخرى من مدينة كاتيا لا مار، تنقل الصحيفة نفسها شهادة لا تقل إيلاما.
فقد هرع ستيوارت بينتو، البالغ من العمر 49 عامًا، من العاصمة كاراكاس إلى المدينة الساحلية فور وقوع الزلزالين، بعدما فقد الاتصال بابنه دايكر بينتو.
ولم تكن تلك سوى واحدة من عشرات القصص التي جمعتها نيويورك تايمز من شوارع لا غوايرا، حيث لم يكن الأهالي ينتظرون وصول فرق الإنقاذ بقدر ما كانوا ينتظرون سماع أي صوت يأتي من تحت الركام، ولو كان مجرد طرقة خافتة توحي بأن هناك من يقاوم للبقاء على قيد الحياة.
وفي المقابل، ركزت صحيفة واشنطن بوست في تقرير من مراسلتيها، على مشاهد التضامن الشعبي التي ولدت وسط الفوضى.
فقد رصدت شبانا يجوبون الأحياء بدراجاتهم النارية وهم ينادون: " من يحتاج إلى الماء؟ "، قبل أن يلقوا بزجاجات المياه نحو العائلات التي لم تغادر مواقع البحث عن ذويها.
ففي أحد المواقع، شاهدت مراسلتا الصحيفة جثمان رجل عالقا بين كتلتين خرسانيتين، فيما وصلت شابة إلى المكان، وما إن أدركت أن الضحية أحد أفراد أسرتها حتى وضعت يديها على وجهها، ثم انهارت على الأرض وهي تطلق صرخات ملأت المكان.
وفي حي ألتاميرا بالعاصمة كاراكاس، تابعت واشنطن بوست قصة خوسيه موريو، البالغ من العمر 61 عامًا، الذي أمضى الليل كله ينتظر انتشال شقيقه الأكبر من تحت الأنقاض.
وحين تمكن رجال الإنقاذ أخيرا من الوصول إلى شقيقه وزوجته، كانا قد فارقا الحياة بعدما سحقتهما كتلة خرسانية ضخمة.
غير أن المأساة لم تنته عند هذا الحد، إذ بقيت امرأة أخرى عالقة أسفلهما تستغيث طالبة النجدة، بينما كان المنقذون عاجزين عن الوصول إليها بسبب نقص المعدات.
وفي رواية موازية، اختارت صحيفة وول ستريت جورنال أن تبدأ تغطيتها من داخل أحد المنازل في كاراكاس، حيث كان بينيتو كيفيرا يستعد للاستحمام عندما أصدر هاتفه إنذارا مفاجئا.
وبعد لحظات، كما يروي للصحفيين خوان فوريرو وريان دوبيه وجيني كارولينا غونزاليس، بدأت شقته تهتز بعنف لم يعهده من قبل.
وقال للصحيفة: " كل شيء بدأ يتحرك بقوة هائلة.
ركضت إلى الخزانة وبدأت أصلي، وقلت: يا رب، لماذا يستغرق هذا كل هذا الوقت؟ "وتنقل وول ستريت جورنال أيضا شهادة لامرأة تدعى إلسا كامبوس، وهي معلمة من شرق كاراكاس، وصفت الدقائق التي تلت الزلزال بقولها: " المصابيح كانت تتأرجح، والمنزل كله يهتز.
احتضنت والدي واحتمينا تحت إطار الباب.
لم أفكر في الموت، بل فقط متى سيتوقف هذا.
بدا الأمر أبدياً".
أما ساندرا إيراستي، صاحبة مخبز التي كانت تقود سيارتها إلى مرآب مبناها السكني لحظة وقوع الزلزال، فتروي للصحيفة أنها سارعت إلى الصعود عبر الدرج، فيما كان جيرانها، وبينهم مسنون تجاوز بعضهم الثمانين عاما، يهبطون عشرات الطوابق سيرا على الأقدام هربا من انهيار محتمل.
ولم تكن ساعات الليل أقل رعبا من لحظة الزلزال نفسها.
فقد أمضى آلاف الفنزويليين ليلتهم في الحدائق والساحات العامة والطرقات، خوفا من انهيار منازلهم مع استمرار الهزات الارتدادية.
ومن بين هؤلاء، كانت ديونيكس غارسيا، التي تحدثت إلى وول ستريت جورنال بعدما قضت الليل في ملعب لكرة القدم مع أطفالها الثلاثة وطفلة لصديقتها.
حكومة عاجزة ومنظومة طوارئ منهارةولا يقتصر تقرير وول ستريت جورنال على رصد المعاناة الإنسانية، بل يربطها أيضا بحالة الدولة الفنزويلية التي أنهكتها سنوات طويلة من الانهيار الاقتصادي.
ويشير مراسلو الصحيفة إلى أن المستشفيات كانت تعاني أصلا نقصا في الأدوية والمعدات وانقطاعا متكررا للكهرباء، فضلا عن هجرة آلاف الأطباء خلال السنوات الماضية، وهو ما جعل الزلزال يكشف هشاشة منظومة الطوارئ أكثر من أي وقت مضى.
هذه القراءة تتقاطع مع ما ذهبت إليه ألكسندرا شارب في تحليلها المنشور بمجلة فورين بوليسي، حيث ترى أن الكارثة لم تضرب المباني فحسب، لكنها وضعت أيضا الحكومة الانتقالية برئاسة ديلسي رودريغيز أمام أصعب اختبار منذ وصولها إلى السلطة مطلع العام، بدعم من الولايات المتحدة، عقب اعتقال الرئيس السابق نيكولاس مادورو.
وتشير شارب إلى أن الحكومة الجديدة وجدت نفسها مطالبة بإدارة واحدة من أكبر الكوارث الطبيعية في تاريخ البلاد، في وقت لا تزال فيه الخزينة العامة تعاني آثار سنوات من التدهور الاقتصادي، فيما تعوق البنية التحتية المتهالكة عمليات الإنقاذ والإغاثة.
وفي السياق نفسه، يوضح ليو ساندز في تقريره لـنيويورك تايمز أن الزلزالين جاءا بينما كانت الحكومة تحاول أصلا مواجهة أزمة اقتصادية خانقة، في ظل تراجع الخدمات العامة وضعف التمويل، الأمر الذي جعل الاستجابة للكوارث أكثر تعقيدا.
ورغم ذلك، سارعت دول عدة إلى إعلان تقديم المساعدة.
فقد أشارت وول ستريت جورنال ونيويورك تايمز وواشنطن بوست إلى أن الولايات المتحدة وعددا من دول أمريكا اللاتينية وأوروبا والشرق الأوسط أرسلت أو تعهدت بإرسال فرق بحث وإنقاذ ومساعدات إنسانية ومعدات ثقيلة، في محاولة لدعم السلطات الفنزويلية في مواجهة الكارثة.
ولعل أكثر ما تكشفه الشهادات التي جمعتها الصحف المذكورة، وتحليل الكاتبة ألكسندرا شارب في فورين بوليسي، أن الكارثة لم تكن مجرد زلزال دمّر الحجر، بل امتحان قاسٍ لإنسان أنهكته سنوات طويلة من الأزمات، ثم وجد نفسه يصارع بيديه العاريتين أحيانا، لإنقاذ من يحب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك