شتان ما بين “الأمس واليوم”، فالحنين إلي الماضي، أصبح لغة علي ألسنة الكثيرين من بني البشر حيث اتسم “الأمس” بنوع من البساطة النسبية والتلقائية بعيدا عن الزيف والتصنع، وغلب حلوه مره، وهذه هي الحياه التي لا تدوم علي حال، ما بين التحديات التقلبات المستمرة والابتلاءات والمسؤوليات وإدراك الهدف والرسالة!
وفي هذه الآونة طغت القيم المادية بقوانينها، مع تسارع المتغيرات التي أضفت أضفت علي الحياة نوعا من القلق والتوجس مما هو آت وعدم اليقين، وثلة لا بأس بها من “الندوب”، وفجوات البناء المعنوي والمعرفي وغياب الثقة والأمان النفسي والاجتماعي.
ويبدو أنها “مقاربة” واقعية و”متلازمة” حتمية، فرضها الصراع الأبدي بين منظومتي القيم المادية “النفعية” والقيم المعنوية، “الإنسانية” في عالم مغاير يرتدي قناع التكنولوجيا والتطور الرقمي الهائل متسارع التقلبات، والمحن والنكبات، ويتنكر للقيم والثوابت الانسانية التي تحفظ قيم الخير والحق والعدل إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وفي رحلة تدشين البناء المعنوي، وصولا للتعايش الإيجابي مع الواقع، البعض يري أن الوصول إلى محطة ” اللايقين”، خير ألف مرة من مرحلة “اليقين السييء” وغياهب التحديات المتتابعة التي يصعب مواجهتها، والفكاك من تداعياتها المرة!
كما أن حتمية الصراع بين القيم المادية والقيم المعنوية ليست أمراً عارضاً، بل هي نتيجة طبيعية لوقوف الإنسان عند تقاطع عالمين: العالم المحسوس القابل للقياس والامتلاك، وعالم المعنى القابل للشعور والعيش.
ومن أسباب حتمية هذا الصراع:ـ اختلاف المنشأ والوظيفة، فالقيم المادية تنبع من غريزة البقاء وحاجة الإنسان إلى الطعام والمأوى والأمن والمكانة.
أما القيم المعنوية فتنبع من حاجة الإنسان إلى المعنى والكرامة والعدالة والمحبة والتضحية.
ولما كانت الموارد والوقت محدودين، ينشأ التنافس بين الغريزتين على توجيه السلوك.
ـ تباين معيار النجاح، حيث تقيس القيم المادية النجاح بالمال والسلطة والممتلكات.
وتقيس القيم المعنوية النجاح بسلامة الضمير، وسلامة العلاقات، والأثر الطيب.
وحين يعلو صوت المجتمع في تمجيد المعيار المادي، يجد الفرد نفسه في صراع داخلي بين رضا الذات ورضا الواقع.
ـ قانون المفاضلة والمقايضة: كل وقت يُنفق في تحصيل المال هو وقت يُنتزع من الأسرة والعبادة والتأمل.
وكل موقف أخلاقي يُقدَّم على المكسب المادي هو خسارة آنية في الميزان المادي.
فالصراع هنا ليس نظرياً، بل يتجسد في القرارات اليومية الصغيرة.
ومن مظاهر الصراع في الواقع تباين الموقف وردود الأفعال، حول مقتضي القيمة المادية، ومقتضى القيمة المعنوية ومن الصور السلبية:ـ في العمل: قبول الوساطة والرشوة للترقي السريع ورفض النزاهة ولو تأخرت الترقيةـ في العلاقات: شيوع الشخصية الانتهازية المستغلة والارتباط بذي اليسار لضمان الاستقرار الارتباط بذي الخلق ولو ضاقت ذات اليد.
ـ الاستهلاك المفرط: ويأتي عن طريق اقتناء الأحدث تلبية للرغبة الآنية وعدم القناعة بفكر الترشيد والاستغلال الأمثل للموارد والمقدرات.
ـ في التربية: الغرس السلبي وتعليم الابن الوصولية المادية بأي وسيلة، وعدم الاهتمام بخلق الأمانة والشفافية ولو فاتته بعض الفرص.
* نتائج تغليب أحد الطرفينـ غلبة القيم المادية: ينتج عنها إنسان ناجح في المظهر، خاوٍ في الداخل، كثير القلق رغم وفرة المال.
ـ غلبة القيم المعنوية الساذجة: ينتج عنها زهد سلبي يعجز صاحبه عن عمارة الأرض والقيام بواجب الاستخلاف، وإدراك سر وجوده وعظم رسالته.
ولو أردنا البحث عن سبيل التوازن سنجد:ـ التوازن الواعي: أن تُتخذ المادة وسيلة لخدمة المعنى، فيعمل الإنسان ليكفي نفسه وأهله ويبني ويعطي، دون أن يبيع مبادئه.
ـ اعتبار المال وسيلة لا غاية: فالمال أداة لإعمار الأرض ورعاية النفس والغير، فإذا صار غاية ابتلع صاحبه وأفسده وأفسد حاله.
ـ ربط المعنى بالواقع: فالقيم المعنوية تحتاج إلى إرادة قوية وبدن سليم وموارد تعين على القيام بها.
المراجعة المستمرة: ويأتي بالحوار المستدام بسؤال النفس: “إن ربحت المال وخسرت نفسي، فماذا ربحت؟ وإن خسرت المال وكسبت نفسي، فماذا خسرت؟ ”ونخلص مما سبق إلي أن الصراع بين القيم المادية والمعنوية حتمي لأنه انعكاس لصراع “الإنسان المادي” و”الإنسان العاقل” الكامنين في النفس الواحدة.
فالمادي أشبه بالحيوان يطلب الأكل والأمن والتكاثر، والعاقل يطلب الفهم والحب والعدل والأثر.
والسؤال الذي يبقى مطروحاً على كل فرد: هل نجعل “المادة” خادمة للمعنى، أم نجعل “المعنى” تابعاً للمادة؟ووسط هذا الصراع الوجودي، يجب أن ندرك أهم مفردات ومحددات ندوب الواقع المجتمعي بكل تفاصيله ونتواءته.
إنّ المجتمعات، شأنها شأن الأجساد الحيّة، لا تمرّ بالأزمات والتحوّلات دون أن تترك في نسيجها ندوباً ظاهرة وخفيّة.
فالندوب المجتمعية هي آثار الجروح التي تصيب البنية الأخلاقية والاقتصادية والثقافية للأمة، فتظلّ علامةً على ما مضى، ومؤشّراً على ما قد يأتي.
ولو أردنا إدراك ماهية الندوب المجتمعية، سنجد أنالندبة ليست المرض ذاته، بل هي أثره الباقي بعد التئام الجرح على نحو غير كامل.
كذلك الندوب المجتمعية: هي التشوّهات في العلاقات الإنسانية، والقيم السائدة، والمؤسسات القائمة، التي تنتج عن صدمات تاريخية أو أزمات اقتصادية أو انهيارات أخلاقية، فتستقر في الوعي الجمعي وتورَّث من جيل إلى جيل.
ـ طغيان القيم المادية في مقابل تراجع القيم المعنوية الحاكمة.
ـ الحروب والفتن الداخلية: تخلّف انقساماً في الذاكرة الجمعية، وتزرع الشكّ بين مكونات المجتمع الواحد، فيصبح الانتماء الضيّق بديلاً عن الانتماء الجامع.
ـ الاستبداد والفساد الإداري: يؤدّيان إلى فقدان الثقة في المؤسسات، فينشأ جيل يرى أن النجاح لا يكون إلا بالالتفاف على القانون لا بالالتزام به.
ـ الضغوط والتحديات الاقتصادية والمجتمعية، وضعف التضامن الاجتماعي، وسيادى منطق “النفس أولاً”.
ـ الغزو الثقافي غير المتوازن: حين تُفرض قيم وافدة دون هضم أو مواءمة، تنشأ ازدواجية بين الموروث والمستورد، فيفقد الفرد بوصلة الهوية.
مظاهر الندوب في الواقع المعاصرـ تفكّك الروابط الأسرية: فقد أصبحت العلاقة بين الأبناء والآباء تقوم على المصلحة لا على البرّ والمودّة.
ـ تآكل الثقة العامة: فمثلا لا يثق الجار بجاره، ولا يثق المستهلك بالتاجر.
الخ.
ـ شيوع ثقافة الاستهلاك والمظهر: فتحوّل الإنسان من منتج إلى مستهلك، ومن صاحب رسالة إلى باحث عن استحسان لحظي.
ـ هجرة الكفاءات وصمت المبدعين: وهي نتيجة طبيعية حين يشعر المخلص بالاغتراب، وأن بيئته طاردة، فإنه قد يفضل الانسحاب أو يرحل، فيزداد الفراغ وتتسع الفجوة.
ويتساءل البعض هل من سبل لشفاء الندوب؟
وانطلاقا من قناعة عبثية منهجية “أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان ”، فإن الندوب لا تُمحى كليّاً، ولكن يمكن أن تُخفَّف آثارها إذا وُجد الوعي والعلاج، وعلاجها وفقا لرؤي المختصين يكون على ثلاثة مستويات:ـ مستوى الوعي: بإعادة بناء السردية الجامعة التي تذكّر الناس بأصلهم المشترك ومصيرهم المشترك، وتعيد الاعتبار للقيم التي صمدت عبر التاريخ: الصدق، والعدل، والرحمة، والعمل المتقن.
ـ على مستوى المؤسسات: بإصلاح المؤسسات التربوية والقضائية والإعلامية، ومؤسسات المجتمع المدني حتى تستعيد مصداقيتها وتعود مصدراً للثقة لا للشكّ والضبابية.
ـ على مستوى الفرد: بأن يبدأ كل إنسان بإصلاح ما بينه وبين نفسه، ثم ما بينه وبين أهله وجيرانه، فإنّ إصلاح المجتمع لا يكون إلا بإصلاح لبِناته، ومكوناته الأساسية، وتصحيح المسار يبدأ من المنبع وبداية الطريق.
وخلاصة الأمر أنه مع تصاعد أنماط التغير القيمي، فإنّ ندوب الواقع المجتمعي ليست عاراً يجب إخفاؤه، بل هي شهادة على ما مرّ به الناس من ابتلاء وتجربة، والشعوب الحية هي التي تقرأ ندوبها وتتفحص أمراضها بقراءة واعية، فتتعلم منها، وتجعل منها دافعاً للنهوض لا سبباً للانكسار.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة وسط هذه موجات المتغيرات الهادرة:أترانا نُخفي ندوبنا خجلاً، فنتركها تتقيّح في الخفاء، أم نكشفها بشجاعة، فنعالجها قبل أن تتحوّل إلى أمراض مزمنة تعيق نهضتنا، وتحيط الآمال والتطلعات نحو واقع أكثر جمالا، وغد أفضل؟ !“أقسى ما يمر به المرء، في هذه الحياة الدنيا هو أن يُحاكم بمقاييس نقائه؛ أن يصبح صدقه سبباً في إستغلاله، وحياؤه ذريعة لتهميشه، وحرصه على مشاعر الآخرين رخصة لكسر خاطره، عدم تقديره أحيانا.
والنيل من حقوقه بلا حياء!
وفي عالمٍ تلوثت فيه الكثير من البيئات بلغة المصالح، وغياب المروءة يُنظر إلى الأخلاق الرفيعة أحياناً كـ “نقاط ضعف” يُمكن العبث بها، لا كـ “حصانة” تُحترم.
إننا لا نندم على الخطأ لأنه يُعلمنا، لكننا نتألم بعمق وبوجع عندما نكتشف أننا ندفع كرامتنا وعافيتنا ثمناً لأننا ترفعنا عن الدناءة وصنّا عهداً لم يصنه أصحابه”.
ولله الأمر من قبل ومن بعد! !

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك