ما زالت فرنسا تحت وطأة موجة الحرّ الثانية لهذا الموسم، التي تُعَدّ أشدّ الموجات التي خبرتها البلاد منذ بدء تسجيل القياسات المناخية في عام 1947، مع تجاوز درجات الحرارة النهارية 42 درجة مئوية في مدن عديدة، فيما سجّل يوما الأربعاء والخميس الماضيان أعلى معدّل حراري يومي على الإطلاق في تاريخ فرنسا، إذ تجاوز متوسط درجات الليل والنهار 30 درجة مئوية.
وممّا زاد من حدّة الأزمة ارتفاع درجات الحرارة ليلاً، إذ لم تهبط في مناطق عدّة دون 23 درجة مئوية أو 24، ووصلت في عدد من المناطق إلى 28 درجة، الأمر الذي حرم الأجساد المنهكة أصلاً نهاراً من التعافي وأخذ القسط الكافي من النوم ليلاً.
وبينما بدأت موجة الحرّ بالانحسار في غرب البلاد، تفيد المعطيات بأنّ ذروتها انتقلت إلى وسط فرنسا وشرقيها، في حين تتوقّع هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية" ميتيو فرانس" انحسار الموجة بحلول صباح الاثنين المقبل.
يُذكر أنّ الموجة الراهنة تجتاح بلدانٍ عدّة غربي أوروبا فتسجّل درجات قياسية على الإطلاق، في ظلّ" قبّة حرارية" مسيطرة.
وأغلقت السلطات الفرنسية نحو ألفَي مدرسة وعدّلت ساعات الدوام في آلاف المؤسسات التعليمية الأخرى، فيما سجّلت المستشفيات ارتفاعاً كبيراً في حالات الإسعاف بسبب الحرارة، وأعلن محافظ شرطة باريس باتريس فور، أمس الخميس، أنّ مستشفيات العاصمة" امتلأت عن آخرها".
ودفع كلّ هذا رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو إلى تفعيل المستوى الثالث من خطة الطوارئ الصحية وتعليق المواعيد والعمليات الجراحية غير المستعجلة.
وبلغ عدد الوفيات غرقاً 55 وفاة، حتى صباح اليوم الجمعة، في حين لا يُظهر هذا الرقم الحصيلة الصحية الحقيقية للموجة، التي لا يُكشَف عنها عادةً إلا بعد انتهاء موجة الحرّ ومقارنة بيانات الوفيات في خلالها بالمعدلات الموسمية المعتادة.
وفتحت أزمة الحرّ هذه الباب على انتقادات واسعة، شعبية وسياسية، طاولت الحكومة بسبب ارتباكها في إدارة الأزمة الراهنة، من تأخّر في إغلاق المدارس وغياب توجيهات واضحة بشأن ساعات العمل في المهن التي يتعرّض ممارسوها للحرارة مباشرة، وبسبب ما كشفته الموجة كذلك من إخفاقات متراكمة على مدى أعوام في الملف البيئي؛ إذ تتّهم المعارضة الحكومات المتعاقبة بتقليص مخصصات البيئة والتكيّف المناخي رغم تحذيرات العلماء المتكرّرة.
ومن أجل الاطلاع أكثر على ما تعانيه فرنسا وسط موجة الحرّ الأخيرة التي تستهدف أكثر من بلد غربي أوروبا، التقى" العربي الجديد" النائبة عن حزب" البيئيين" (غروب إيكولوجيك إيه سوسيال) في الجمعية الوطنية الفرنسية إيفا ساس، وسُجّل معها الحديث الآتي.
- كيف تفسّرين أن تكون فرنسا، إحدى أكبر القوى الاقتصادية في العالم، غير مستعدّة بما يكفي لموجات حرّ مماثلة للتي يعيشها سكانها اليوم، رغم عقود من التحذيرات العلمية بشأن تغيّر المناخ؟بكلّ بساطة، يعود السبب في ذلك إلى الخيارات السياسية والمالية التي اتّخذتها الحكومات المتعاقبة في الأعوام الأخيرة.
كانت لديهم أولويات أخرى على حساب البيئة وسياسات التكيّف، ونتيجة هذا الخيار تراجعت الاستثمارات والمخصصات الحكومية للبيئة.
وما جرى في موضوع المدارس أفضل مثال عن ذلك.
ففي عام 2024، دعمت الدولة نحو 1,100 مشروع لتجديد المدارس وعزلها حرارياً بهدف تحسين قدرتها على مواجهة الحرّ، فيما انخفض هذا العدد بصورة كبيرة، إلى نحو 350 مشروعاً في عام 2025.
هذا يعطي صورة عن انسحاب الدولة التدريجي من تمويل مثل هذه المشاريع.
وعندما لا تدعم الدولة البلديات ومجالس الأقاليم، فإنّ السلطات المحلية تجد نفسها عاجزة عن مواجهة المشكلة وحدها، سواء في المدارس أو المستشفيات أو غيرها من المرافق العامة.
الحكومة أعلنت في العام الماضي خطة وطنية للتكيّف مع تغيّر المناخ، واعترفت بأنّ فرنسا تتّجه نحو سيناريو ارتفاع الحرارة بأكثر من أربع درجات، لكنّ الاعتراف وحده لا يكفي.
المشكلة أنّ الدولة لا تستخلص النتائج العملية المترتبة على تشخيص مماثل، ولا توفّر الموارد المالية اللازمة.
لدينا كذلك" الصندوق الأخضر"، وهو برنامج حكومي يموّل البلديات لمساعدتها في تنفيذ مشاريع، من قبيل عزل المباني حرارياً وإصلاح الأماكن العامة لمواجهة الفيضانات وتبريد المدن تحسّباً لموجات الحرّ، لكنّ موازنته تقلّصت بصورة كبيرة في خلال فترة قصيرة.
لذلك أعتقد أنّ الحكومة ضحّت بالسياسات البيئية بسبب خيارات التقشّف والقيود المالية.
- ما الذي يميّز موجة الحرّ الحالية عن موجات 2019 أو 2023؟ هل تغيّرت طبيعة الظاهرة أم أنّ الفرنسيين صاروا أكثر حساسية تجاه تغيّر المناخ وعدم الاستعداد الحكومي لمواجهته؟أوّلاً، هناك شدّة الظاهرة نفسها؛ نحن نشهد ارتفاعاً متزايداً في درجات الحرارة، الأمر الذي يضع صحة الناس وأجسامهم أمام صعوبات لم نكن نعرفها سابقاً.
المشكلة الأكبر تتمثّل في أنّ مثل هذه الظواهر لم تعد استثنائية كما كانت قبل أعوام.
كنّا نتحدث في الماضي عن موجات حرّ نادرة، أمّا اليوم، فهي تتكرّر عاماً بعد عام، وأكثر من مرّة في كلّ عام؛ وهذا يعني أنّنا ندخل مرحلة جديدة سوف نكون مضطرين فيها إلى التعايش مع هذه الظروف بصورة دائمة.
لكنّ هذا يقود كذلك إلى سؤال أكبر بكثير من مجرّد إدارة موجة حرّ: إلى أيّ مدى سوف تظلّ مناطق وأقاليم عدّة في فرنسا قابلة للعيش؟ في حال استمرّت درجات الحرارة في الارتفاع بهذه الوتيرة، فإنّ السؤال سوف يصير عن قابلية الحياة نفسها على هذا الكوكب.
- يبدو أنّك متشائمة بشأن قدرة المجتمعات على التكيّف.
نعم (متشائمة)؛ لأنّ التكيف وحده لن يكون كافياً إفي حال استمرّ الاحترار بالمعدّلات الحالية.
نحن نعيش اليوم في ظلّ ارتفاع يقارب درجتَين مئويتَين، ونرى حجم الصعوبات التي يواجهها السكان.
فكيف سوف يكون الوضع في حال وصلنا إلى أكثر من أربع درجات مئوية في فرنسا؟ سوف يصير العيش أكثر صعوبة بكثير.
لذلك، يجب أن نفهم أنّ التكيّف ضروري، لكنّه ليس حلاً سحرياً.
في الوقت نفسه، ما تقوم به الحكومة اليوم يقتصر غالباً على الإعلان عن خطط والاكتفاء بخطاب إعلامي، من دون تخصيص الوسائل الكفيلة بحماية السكان فعلاً.
القضية اليوم هي حماية الناس، لأنّ الجميع يكتشف تدريجياً مدى هشاشة الإنسان أمام اختلال المناخ.
- تدافعون، في حزب" البيئيين"، عن مشاريع قوانين عدّة هذه الأيام، من بينها" الإجازة المناخية".
ما الذي تتضمّنه هذه المقترحات؟لدينا بالفعل مقترحات عدّة، من بينها مشروع لمعالجة المساكن ذات العزل السيّئ، وكذلك مشروع الإجازة المناخية الذي ننوي طرحه قريباً كذلك.
كلّ هذه الإجراءات ضرورية إذا أردنا التكيّف مع الواقع الجديد، بل أعتقد أنّه ينبغي الذهاب أبعد من ذلك.
تعرّض مشروع الإجازة المناخية للسخرية من أطراف سياسية، لكنّه في الحقيقة استجابة لواقع ملموس.
فحينما تقع كارثة مناخية، سواء أكانت موجة حرّ أم فيضاناً أم غير ذلك، تُغلق مدارس الأطفال أو تتعطّل الحياة اليومية في جزء منها على الأقلّ، ما يعني أنّ الموظفين سوف يحتاجون إلى وقت إضافي للتعامل مع هذه الظروف.
ونعمل كذلك على تحسين حماية العمّال الذين يضطرون إلى العمل وسط حرارة تتجاوز 30 درجة مئوية، لأنّ الأمر مرتبط هنا بصورة مباشرة بالصحة والسلامة المهنيّتَين.
في الحقيقة، فرنسا متأخّرة جداً في كلّ هذه القضايا، سواء لجهة التشريعات أو لجهة الوسائل المخصصة للتكيّف.
- لا تُعَدّ فرنسا من الدول التي تشهد تشكيكاً واسعاً في حقيقة تغيّر المناخ، ومع ذلك فقد الخطاب البيئي كثيراً من حضوره السياسي في البلد خلال الأعوام القليلة الماضية.
كيف تفسّرين ذلك؟شهدنا في العامَين الأخيرَين حملة واسعة ضدّ البيئة وضدّ المدافعين عنها.
وأدّى هذا المناخ السياسي وكذلك الإعلامي إلى تراجع التزام الدولة بالمسائل البيئية، على الرغم من أنّ التزامها لم يكن أصلاً بالمستوى المطلوب.
ثمّة إجراءات، من التي بدأت تُطبَّق، تعرّضت لهجمات إعلامية وسياسية متواصلة، وصُوّرت السياسات البيئية بوصفها مجرّد قيود على حياة الناس أو عائق أمام الاقتصاد.
والنتيجة اليوم واضحة: نحن أمام بلد غير مستعدّ بما يكفي، فيما يقتصر الردّ السياسي غالباً على الحديث عن أجهزة التكييف، كأنّما هي الحلّ الوحيد.
- لكنّ التكييف يبدو، بالنسبة إلى كثيرين، خصوصاً في الطبقات الشعبية، الحلّ الأكثر إلحاحاً اليوم.
كيف تردّين على الذين يرون أنّ الخطاب البيئي يطلب منهم التضحية براحتهم اليومية؟لا رفض للتكييف بحدّ ذاته.
ما نقوله بوضوح هو أنّ المستشفيات ودور رعاية المسنّين والمدارس تحتاج إليه عندما يكون ضرورياً.
لكن من غير المنطقي أن نكتفي بتركيب أجهزة تكييف في مبانٍ سيّئة العزل، لأنّ ذلك لا يعالج أصل المشكلة.
ثمّة حلول كثيرة يجب أن تُطبَّق في الوقت نفسه للتوصّل إلى نتائج ملموسة؛ من قبيل تشجير المدن، وإنشاء" جُزُر تبريد" داخل الأحياء، وطلاء الأسطح بألوان تعكس أشعة الشمس، وتطوير شبكات التبريد الجماعي في المباني، وتحسين عزل المساكن حرارياً.
والمقصود بهذا أنّنا لسنا أمام خيارَين فقط، أي التكييف أو عدم التكييف، بل نحن أمام سياسة متكاملة.
أمّا تعميم التكييف وحده، بوصفه الاستراتيجية الرئيسية، فمن شأن ذلك أن يزيد المشكلة تعقيداً على المدى الطويل.
- ثمّة فرنسيون يردّون على اليسار البيئي بالقول: " أنتم تعملون في مكاتب مكيّفة ثمّ تطلبون منّا ألا نستخدم التكييف".
هل بات الحديث عن التكييف أقرب إلى المحرّمات داخل التيار البيئي؟إطلاقاً (ليس من المحرّمات).
أتحدّى أيّ شخص أن يجد تصريحاً لمسؤول أو لسياسي بيئيَّين بأنّهما يعارضان التكييف بحدّ ذاته.
ما نقوله هو أنّ تعميم أجهزة التكييف من دون عزل المباني أمر غير منطقي.
لا يمكن أن نستمرّ في تبريد مساكن تُسرّب الحرارة من كلّ الجهات.
المطلوب، أوّلاً، هو تحسين المباني، ثمّ استخدام التكييف عند الحاجة، من ضمن سياسة شاملة للتكيّف مع المناخ، لا أن يكون المكيّف الحلّ الوحيد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك