لم تكن الشابة الصومالية سعدية معلم علي، الشهيرة في أزقة مقديشو بـ" سعدية بجاج"، تتخيل وهي تقود عربتها ذات العجلات الثلاثة" التيك توك" لكسب قوت يومها، أن المقاطع التي تبثها عبر منصتي" تيك توك" و" فيسبوك" ستقودها إلى زنزانة مظلمة في السجن المركزي بالعاصمة مقديشو.
ولم يكن الشارع الصومالي يتوقع بدوره أن يرى ناشطة مدنية تساق إلى المحاكمة وتواجه حكماً بالسجن ثلاث سنوات على خلفية تعبيرها عن رأيها، في سابقة قضائية وسياسية أعادت للأذهان حقبة الديكتاتورية العسكرية للرئيس السابق محمد سياد بري، التي طواها الصوماليون منذ انهيار الدولة عام 1991.
أثار الحكم الصادر في حق سعدية بجاج موجة عارمة من الجدل الداخلي والإدانة الدولية، ليس فقط لقساوة العقوبة مقارنة بالجرائم المنسوبة إليها، بل لأنها تمثل تحولاً راديكالياً خطراً في تعامل السلطات الفيدرالية مع الأصوات المعارضة، مهددة المكتسبات الديمقراطية الهشة التي شيدها الصومال على مدار ثلاث عقود من التعددية وحرية التعبير.
بدأت فصول الأزمة عندما ألقت عناصر تابعة لجهاز الأمن والاستخبارات الوطني الصومالي" نيسا" القبض على سعدية في مديرية هودن بالعاصمة مقديشو، على خلفية نشرها مقاطع فيديو انتقدت فيها الفساد الحكومي المزعوم وتردي الأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار الوقود، الذي يمس قطاع سائقي" البجاج" بصورة مباشرة.
احتجزت الفتاة البالغة من العمر 27 سنة في البداية بمركز شرطة حمر ججب، قبل أن يجري نقلها على عجل إلى السجن المركزي في مقديشو واستصدار أمر قضائي من محكمة إقليم بنادر لتمديد احتجازها، ووفقاً لشهادات حقوقية متقاطعة واجهت سعدية إجراءات قانونية معقدة حرمتها في البداية من حق الوصول إلى محام بصورة منتظمة، ليتوج المسار بصدور حكم قضائي يقضي بسجنها ثلاث سنوات، وهو الحكم الذي نزل كالصاعقة على المنظمات الحقوقية والشارع المدني.
من الناحية القانونية والحقوقية يرى المستشار القانوني موسى معلم أن المحاكمة شابتها خروقات دستورية واضحة، موضحاً لـ" اندبندنت عربية" أن الحكم الصادر في حق الناشطة سعدية يمثل انتهاكاً صارخاً للمادة الـ18 من الدستور الصومالي الموقت، التي تكفل بصورة قاطعة حرية الرأي والتعبير لجميع المواطنين بما في ذلك الحق في انتقاد أداء المؤسسات العامة، كما أن المادة 20 من الدستور تضمن حق التظاهر السلمي وتكوين الجمعيات.
وأضاف أن الأزمة الحقيقة تكمن في استمرار المحاكم الصومالية في الاعتماد على قانون العقوبات الصادر عام 1962، وهو قانون موروث من العهد الاستعماري وما قبل الديمقراطي، ويحتوي على نصوص فضفاضة تجرم ما يسمى إهانة مؤسسات الدولة أو نشر أنباء كاذبة تقوض الأمن العام، واستخدام هذه المواد القديمة للالتفاف على الضمانات الدستورية الحديثة يعد اتداداً قانونياً خطراً يحرم المتهمين من شروط المحاكمة العادلة.
تحمل القضية في طياتها دلالات سياسية بالغة الحساسية، فالصومال منذ سقوط نظام سياد بري عام 1991، وتدشين النظام الفيدرالي التعددي لم يشهد صدور أحكام بالسجن المطول ضد نشطاء مدنيين أو أصحاب رأي لم ينخرطوا في أعمال عنف مسلح.
في تفسيره لهذه الديناميكية السياسية يرى المحلل السياسي عبدالرحمن محمد أن السلطة تبدو وكأنها تضيق ذرعاً بالانتقادات الشعبية التي تولدها منصات التواصل الاجتماعي، وهناك خشية حقيقة لدى النخبة الحاكمة في مقديشو من أن تتحول منصات مثل" تيك توك" و" فيسبوك" إلى وقود لربيع صومالي، بخاصة في ظل الأزمات الاقتصادية المتلاحقة وضغوط الحرب المستمرة ضد" حركة الشباب"، لذا فإن الحكم على سعدية بجاج بثلاث سنوات ليس مجرد عقوبة لشخصها، بل هو رسالة ردع سياسية مشفرة موجهة إلى جيل الشباب الذي يمثل النسبة الأكبر من مستخدمي هذه المنصات، مفادها بأن خطوط النقد قد تم رسمها باللون الأحمر مجدداً.
وبين أن هذه الممارسات تعيد للأذهان وبصورة تلقائية ممارسات المحكمة الأمنية العليا في عهد سياد بري، حين كان مجرد الهمس بكلمة معارضة يقود إلى غياهب السجون، لكن الصومال اليوم لا يمكن حكمه بالقبضة الأمنية ذاتها، لأن بنية المجتمع أصبحت أكثر وعياً وتعدداً، ولم تكن القضية حبيسة الجدران المحلية، بل رصدت المنظمات الدولية هذا التحول ببالغ القلق، وأصدرت منظمة العفو الدولية تحذيراً عاجلاً طالبت فيه السلطات الصومالية بالإفراج الفوري وغير المشروط عن سعدية، معتبرة أن اعتقالها ومحاكمتها يرتكزان حصراً على ممارستها لحقوق الإنسانية والتعبير عن آرائها عبر الإنترنت.
وأشارت تقارير حقوقية دولية إلى تصاعد ممنهج في التضييق على الحريات بالصومال منذ منتصف عام 2022، إذ تزايدت وتيرة الاستدعاءات الأمنية والاعتقالات التعسفية ضد الصحافيين والنشطاء، وتشير البيانات الإحصائية التقريبية للمنظمات المحلية المعنية بحرية التعبير في القرن الأفريقي إلى واقع مقلق خلال الأعوام الأخيرة.
وكشف مصدر مطلع بوزارة العدل لـ" اندبندنت عربية" عن معلومات حول الانتهاكات ضد حرية الرأي والتعبير في الصومال خلال عام 2026، " ما بين حالات متوسطة وخطرة، وبلغ الاعتقال التعسفي أكثر من 111 حالة بينهم صحافيون ونشطاء رقميون، واتسمت محاكماتهم بتهم اعتبرها الصوماليون فضفاضة بسبب وجود أكثر من 18 حالة لصناع المحتوى والمنتقدين السياسيين".
وتضع قضية سعدية بجاج الحكومة الصومالية برئاسة حسن شيخ محمود أمام اختبار أخلاقي وحقوقي عسير، فبينما تحاول الحكومة تسويق نفسها دولياً كشريك ديمقراطي يسعى إلى بناء دولة القانون والمؤسسات بعد عقود من الفوضى، تأتي هذه الأحكام القضائية لتقوض الصدقية الرسمية وتعمق الفجوة بين الشارع والسلطة.
إن محاكمة سائقة" توك توك" بسيطة وتحويلها إلى سجين رأي سياسي لا يخدم جهود الاستقرار الأهلي، بل على العكس ربما يسهم في راديكالية الشباب ويدفعهم نحو تبني مواقف أكثر حدة وضغينة تجاه مؤسسات الدولة، وهو ما تحتاج إليه الجماعات المتطرفة تماماً لتغذية روايتها الدعائية ضد النظام الفيدرالي، وفق مراقبين.
يقول المتخصص في القانون الدولي حسين أحمد لـ" اندبندنت عربية" إن الواقع القانوني والاجتماعي الصومالي يحمل اليوم تناقضاً عميقاً، فبينما يكفل الدستور الحديث الحريات المدنية لا تزال المحاكم تستند إلى قوانين موروثة من حقبة مغايرة، ويتقاطع هذا التعارض القانوني بصورة مباشرة مع الحراك المطلبي لسائقي عربات" البجاج" الذين تحولوا من فئة عمالية تبحث عن لقمة العيش إلى واحدة من أكثر القوى الاحتجاجية حيوية في العاصمة مقديشو.
وتمثل المحاكمات الأخيرة مثل قضية الناشطة سعدية بجاج ساحة صراع بين منظومتين قانونيتين تنتميان إلى زمنين مختلفين تماماً، فقانون العقوبات الصومالي صدر عام 1962، والدستور الصومالي الفيدرالي موقت، كما صيغ القانون السابق في عهد الاستقلال الأول بدمج القوانين الاستعمارية الإيطالية والبريطانية لتعزيز مركزية الدولة، بينما صيغ الدستور في مناخ سياسي تعددي بعد عقود من الحروب الأهلية لضمان عدم عودة الديكتاتورية.
وتكمن الأزمة في عدم صياغة برلمان صومالي لقانون عقوبات جديد يتماشى مع الروح الدستورية بعد عام 2012، مما جعل القضاة يلجأوون إلى القانون القديم كأداة جاهزة لتمرير الرغبات السياسية للأجهزة الأمنية.
ودخلت عربات" البجاج" ثلاثية العجلات إلى مقديشو قبل أكثر من عقد، وسرعان ما تحولت إلى الشريان الرئيس للمواصلات، ومصدر الدخل الأول لآلاف الشباب والخريجين العاطلين عن العمل.
ومع نمو هذا القطاع، تبلور كقوة احتجاجية منظمة وعفوية في آن واحد.
إن ثمة اتفاق بين المحللين على أن تداخل إرث قانون العقوبات القمعي لعام 1962 مع تنامي الوعي الحقوقي والجرأة الرقمية لدى فئة سائقي" البجاج" والنشطاء، يعكس أزمة عميقة في بنية الدولة الصومالية الحديثة.
ومحاولة كبح هذا الحراك الاقتصادي والاجتماعي الحيوي باستخدام أدوات قانونية متهالكة لن يؤدي إلا إلى تعميق حال الاحتقان، وجعل الشارع أكثر قابلية للانفجار عند أية هزة سياسية قادمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك