أعاد اليوم الثاني من سلسلة مؤتمرات" إيران الحرة 2026: نحو جمهورية ديمقراطية"، في هذا المنعطف الحاسم من تاريخ إيران المعاصر، باريس مجددًا إلى واجهة الاهتمام الدولي.
هذا اللقاء الذي عُقد في المقر المركزي للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بحضور أبرز الشخصيات السياسية والاستراتيجية في العالم، شهد خطابًا رئيسيًا واستعراضًا للمنهجية السياسية للسيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من قِبل هذا المجلس.
وقد أظهر مضمون هذا الخطاب والأجواء السائدة في المؤتمر، بكل وضوح، أنه وراء كواليس الدبلوماسية الغربية الرخوة، فإن الصوت الأكثر شرعية للشعب الإيراني في قلب أوروبا لا يتردد صداه عبر المهادنة أو الاعتماد على البدائل الافتراضية، بل من خلال المقاومة المنظمة على الأرض.
إن تحولات اليومين الأخيرين في باريس، ولا سيما المساعي والمساومات الجارية خلف الكواليس من قِبل الفاشية الدينية الحاكمة لإلغاء وحظر تظاهرة عشرات الآلاف من الإيرانيين، تكشف عن ذعر بنيوي في أركان نظام الملالي.
وفي مستهل كلمتها، أشادت السيدة مريم رجوي بصمود الجيل الشاب والمتظاهرين الذين انعكس صوت مطالبهم بالحق في ساحات باريس وشوارعها، منددة بهذا الانسداد الإداري المخيب للآمال.
وفي السياق ذاته، جاء تضامن الضمائر الحية وممثلي البرلمانات الأوروبية، مثل الموقف الصريح للنائبة الفرنسية السيدة كريستين أريغي التي أعربت عن أسفها لانتهاك حرية التعبير في فرنسا، وكذلك تصريحات السيد شارل ميشل، الرئيس السابق للمجلس الأوروبي، ليكون شاهدًا على حقيقة أن سياسة تقديم التنازلات للاستبداد الديني قد فشلت؛ إذ إن المماشاة والمهادنة، وكما عجزت في القرن الماضي عن كبح جماح الفاشية النازية، لن تجدي نفعًا اليوم أمام الفاشية الدينية الحاكمة في إيران.
إن الجوهر الأساسي والمقال الاستراتيجي للرد على الأزمة الإيرانية الراهنة يكمن في مقولة" القوة المقاتلة والحقيقية على الأرض".
ففي وقت يمر فيه المجتمع الإيراني بحالة من الإمكانات الانفجارية غير المسبوقة بعد مقتل علي خامنئي ومأزق خلافة مجتبى خامنئي، فإن طرح فرضيات مثل" الانهيار التلقائي"، أو" تغيير سلوك النظام"، أو" صناعة بدائل افتراضية وروبوتية حول بقايا دكتاتورية الشاه"، يعمل عمليًا بمثابة صمام أمان ونعمة لبقاء الملالي.
إن الحقيقة الساطعة لعقيدة المقاومة هي أن الإسقاط لا يمكن تحقيقه إلا عبر انتفاضة الشعب ووحدات المقاومة المنظمة؛ وهي القوة التي دفعت ثمن الحرية بتقديم مئة ألف شهيد، بمن فيهم المجاهدون الذين أُعدموا في مجزرة عام 1988، وتمكنت في ظل الاختناق الأقصى من إبقاء المحركات الحركية للانتفاضة مشتعلة.
وفي هذا المشهد، يتجلى أكثر من أي وقت مضى الدور التخريبي والردعي لبقايا الدكتاتورية السابقة (الشاه) كعامل مساعد لبقاء النظام الحالي.
وإن اعتراف وسائل الإعلام الحكومية داخل إيران بأن نشاط الملكيين يمثل" فرصة ونعمة" لإثارة التفرقة في صفوف المعارضة وتوجيه بوصلة المجتمع الدولي نحو الاتجاه الخاطئ، يكشف عن عمق هذا التداخل.
كما أن اشتراك موقف عناصر السافاك بالأمس مع الحرس الثوري ووزارة الخارجية اليوم في إبداء الابتهاج بالتضييق على الحقوق الديمقراطية للمقاومة في باريس، والمواقف الرسمية لوريث الشاه الذي يبحث صراحة عن التغيير في إيران بالاعتماد على الحرس الثوري والأجهزة الأمنية للنظام الحالي ويصف تعذيب الماضي بأنه" فخر" له، يرسم مرزبندية تاريخية حاسمة: إن الشعب الإيراني، ومنذ المنعطف التاريخي في 20 حزيران (يونيو) 1981، ومن خلال رفضه لكلتا الدكتاتوريتين، قد اختار طريقه، ولم يترك في ميدان النضال الحقيقي مكانًا للعودة إلى الاستبداد الوراثي أو بقاء الاستبداد الديني.
إن الإجابة النهائية للمعادلة الإيرانية تتجسد في حيوية البديل الديمقراطي للمجلس الوطني للمقاومة والبرامج الواضحة للحكومة المؤقتة؛ وهي الحكومة التي، على عكس التيارات الانتهازية، لا تطمح إلى كسب السلطة، بل تحمل عهدًا وثيقًا لنقل السيادة إلى أصحابها الحقيقيين وهم أبناء الشعب الإيراني.
وتتمثل المهمة الرئيسية لهذا البديل الصالح في نقل السلطة إلى الشعب من خلال إجراء انتخابات حرة لتشكيل المجلس التأسيسي خلال مدة أقصاها ستة أشهر.
هذا الحراك الحي، بسجلّه الحافل بـ45 عامًا من النضال والصمود في وجه الدكتاتورية الدينية و133 عملية كشف وتعرية للأسلحة النووية والصاروخية السرية للنظام والدفاع عن إسلام متسامح وديمقراطي، قد خطّ حتمية السقوط على جبين الولي الفقيه الجديد.
إن شعار هذه المقاومة هو السلام والحرية، وهي بالاعتماد على جيش التحرير الوطني، تبعث برسالتها النهائية إلى العالم: إن المعادلة الإيرانية لا تملك حلًا خارجيًا، وإن إسقاط الفاشية الدينية هو المهمة الراسخة وغير القابلة للكسر لخلق إيران، وصوته المشروع الأكثر دويًا في سائر أرجاء المعمورة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك