تواصل السلطات السورية مساعيها لتفكيك إرث ثقيل خلّفه النظام المخلوع في ملف المخدرات، بعدما تحولت البلاد خلال سنوات حربه على السوريين من دولة عبور إلى واحدة من أبرز مراكز تصنيع وتصدير الكبتاغون في المنطقة.
وتؤكد الحكومة أن مكافحة هذه الآفة باتت برنامجاً وطنياً لا يقتصر على الملاحقة الأمنية، بل يمتد إلى العلاج وإعادة الدمج والتوعية المجتمعية.
وتأتي هذه الجهود بالتزامن مع إطلاق حملة وطنية لمكافحة المخدرات، بقيادة وزارة الداخلية ووزارة الصحة وبمشاركة عدد من الوزارات والمؤسسات، في محاولة للانتقال من مرحلة تفكيك شبكات الإنتاج والتهريب إلى معالجة الآثار الاجتماعية والصحية التي تركتها سنوات انتشار المخدرات، لا سيما بين الشباب والفئات الأكثر هشاشة.
وخلال لقاء على شاشة تلفزيون سوريا، أكد معاون وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، بهجت حجار، أن سوريا تنتقل اليوم" من إحدى الدول المنتجة والمصنعة للمخدرات إلى دولة تكافح هذه الآفة"، مشيراً إلى أن البلاد كانت تاريخياً، قبل عام 2011، دولة عبور لا دولة تصنيع.
وأضاف حجار أن النظام المخلوع استخدم المخدرات، خلال 14 عاماً، " كإحدى أدوات تمويل الحرب وقمع الشعب السوري"، مؤكداً أن اقتصاد النظام كان مبنياً على هذه التجارة، قبل أن تبدأ بعد التحرير خطوات واسعة لمكافحة هذه الصناعة وتجفيف منابعها.
ورداً على سؤال بشأن توقيت إطلاق الحملة الوطنية بعد نحو عام ونصف من" التحرير"، أوضح حجار أن الحملة جاءت بعد جهود نفذتها وزارة الداخلية للقضاء على منابع تصنيع المخدرات، وبعد دراسات أظهرت ارتفاع نسب التعاطي بين الشباب السوري، وما يترتب على ذلك من آثار اجتماعية كبيرة.
وأشار إلى أن الحملة، التي تقودها وزارتا الداخلية والصحة، تحمل عنوان القضاء على تجارة المخدرات وعلاج الإدمان، لكنها تحتاج إلى لجنة عابرة للوزارات، تشارك فيها نحو سبع وزارات، بينها الشؤون الاجتماعية والعمل، والاقتصاد، والأوقاف، والإعلام، وغيرها، مؤكداً أن الجهود إذا لم تكن متكاملة فلن تتمكن من معالجة نسب الإدمان المرتفعة.
ولفت حجار إلى أن أسباب الإدمان متعددة، بينها الفراغ والفقر والبطالة، مبيناً أن التعاطي قد ينتشر بين الفئات الأشد فقراً أو الأكثر ترفاً، في وقت تعاني فيه سوريا من نسب عالية من الفقر وتعطل فرص العمل.
كما أشار إلى أن النظام المخلوع اتبع" منهجية واضحة لتخدير الشعب والشباب وإجبارهم على تعاطي هذه المواد"، وفق تعبيره.
وأوضح أن الوزارة رصدت حالات تعاطٍ بين بعض الأطفال والمتسربين من المدارس والمتسولين، مشيراً إلى أن دور وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل يتركز في الدمج المجتمعي لمن وقعوا في الإدمان، بالتوازي مع مراكز علاج الإدمان التي تحدثت عنها وزارة الصحة.
بين العلاج والوصمة الاجتماعيةوأكد حجار أن التعامل مع المتعاطين يجب أن يقوم على حفظ خصوصياتهم، والعمل على تخفيف الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالإدمان، إضافة إلى مساعدتهم في إيجاد فرص عمل تتيح لهم العودة إلى المجتمع.
وشدد على أهمية الرسائل الإعلامية في مواجهة الصور النمطية التي قد تُظهر المتعاطي أحياناً بصورة" الظريف"، أو تمنح تجار المخدرات هالة من" الهيبة"، مؤكداً أن المطلوب هو إنتاج رسائل معاكسة توضّح خطورة هذه الآفة على المجتمع.
وأشار معاون وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل إلى أن ارتفاع أسعار المواد المخدرة بعد إحراق بعض المصانع أدى إلى ازدياد جرائم مرتبطة بالإدمان، سواء بسبب التعاطي نفسه أو بسبب حاجة بعض المدمنين إلى تأمين ثمن المواد المخدرة، ما يتطلب تعاوناً مجتمعياً ومؤسساتياً لمساعدة هؤلاء على تجاوز الأزمة.
الاستثمار بالإنسان السوريوفي معرض حديثه عن استدامة مكافحة المخدرات، قال حجار إن الحديث عن سوريا الجديدة يركز غالباً على الاستثمار العقاري أو التجاري أو الاقتصادي، لكن" الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار بالإنسان السوري"، لا سيما الأطفال والشباب الذين تستهدفهم تجارة المخدرات.
وأوضح أن المجتمع المدني يجب أن يكون شريكاً أساسياً في هذه المعركة، إلى جانب وزارة الأوقاف التي يمكن أن تسهم في تعزيز الرادع الديني والأخلاقي، من خلال المساجد والكنائس، فضلاً عن دور وزارتي الثقافة والرياضة في إشغال الشباب وتوفير بدائل صحية واجتماعية لهم.
ولفت إلى أن بعض المناطق في سوريا اعتمدت خلال السنوات الماضية على اقتصاد كامل مبني على المخدرات، ما يستدعي الاستثمار في هذه المناطق وخلق اقتصاد بديل قائم على العمل والإنتاج، يتيح تشغيل الشباب وتوفير مصادر دخل مشروعة.
وأشار إلى أن مراكز علاج الإدمان الحالية غير كافية لمعالجة حجم هذه الآفة، ما يجعل التوعية المسبقة ضرورة للفئات التي قد تنجر نحو التعاطي، بدءاً من العائلة وصولاً إلى المجتمع الأوسع.
التعامل مع المتعاطي كمريضوقال حجار إن النقاشات داخل اللجنة المعنية بالحملة أظهرت تأكيد وزارة الداخلية على ضرورة التعامل مع المتعاطي بوصفه مريضاً يحتاج إلى علاج، لا مجرماً فقط، مشيراً إلى أن البلاد بحاجة إلى مسار تدريجي للتخلص من هذه الآفة في ظل نسب التعاطي المرتفعة.
وأضاف أن تخفيف الوصمة الاجتماعية يساعد العائلات والمتعاطين أنفسهم على طلب المساعدة، والخروج من دائرة الإدمان، بدلاً من إخفاء المشكلة أو تركها تتفاقم.
إنجاز أمني يحتاج إلى تعاون إقليميمن جانبه، قال الخبير الأمني والاستراتيجي، العميد منير الحريري، إن سوريا كانت قبل عام 2011 دولة عبور، لكنها تحولت في عهد النظام المخلوع إلى دولة مصنّعة ومصدّرة للمخدرات، مشيراً إلى أن هذه التجارة ازدهرت بدعم شبكات مرتبطة بـ" حزب الله" والإيرانيين، وفق تعبيره.
وأوضح الحريري، عبر شاشة تلفزيون سوريا، أن سوريا شهدت انتشار معامل كثيرة لتصنيع المخدرات، بعضها كبير يحتوي على مئات الأطنان، إلى جانب آلاف المعامل الصغيرة المنتشرة في مناطق مختلفة.
وأشار إلى أن السلطات السورية فككت شبكات كثيرة وضبطت كميات كبيرة من المواد المخدرة، معتبراً أن الاعتراف الدولي بجهود سوريا في مكافحة هذه الجريمة يمثل" إنجازاً كبيراً"، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن استمرار التعاون على مستوى الإقليم يبقى ضرورياً.
لا قضاء كاملاً من دون قواعد بيانات وتعاون دوليورأى الحريري أن تجارة المخدرات من الجرائم المنظمة العابرة للحدود، وأن أكبر دول العالم لا تستطيع القضاء عليها بشكل نهائي، لأنها ترتبط بعصابات منظمة ذات امتدادات في دول عدة.
وأكد أن مواجهة هذه الشبكات تتطلب تعاوناً بين المواطن والدولة، لا سيما مع وزارة الداخلية والأمن العام، في كشف مواقع الترويج والتصنيع والمعامل، إضافة إلى إنشاء قواعد بيانات واسعة تضم كل المعلومات التي يتم الحصول عليها من الموقوفين، ومشاركتها مع دول الإقليم، خاصة الأردن ودول الخليج والعراق وتركيا ولبنان.
وشدد الحريري على ضرورة أن تكون إدارة مكافحة المخدرات إدارة متخصصة ومدربة، تضم ضباطاً وعناصر وكوادر مؤهلة، إلى جانب استخدام التكنولوجيا الحديثة والكلاب البوليسية في المنافذ الحدودية والمطارات، لافتاً إلى أن وزارة الداخلية تعمل على تأهيل كوادرها والاستفادة من الخبرات المحلية والإقليمية والدولية.
وأكد أن المخدرات في سوريا ليست آفة وليدة اللحظة، بل تعود جذورها إلى عقود، لكنها تطورت خلال الحرب لتجعل البلاد في صدارة تجارة الكبتاغون عالمياً، ولذلك لا يمكن إنهاء الملف" في يوم وليلة"، بل عبر تضافر الجهود الأمنية والمجتمعية والإقليمية.
أرقام الداخلية: 1550 عملية و90 شبكة دوليةوكانت إدارة مكافحة المخدرات في وزارة الداخلية قد أعلنت تنفيذ 1550 عملية أمنية منذ سقوط النظام المخلوع، أسفرت عن تفكيك 90 شبكة تهريب دولية، وضبط كميات كبيرة من المواد المخدرة.
وقال مدير إدارة مكافحة المخدرات، العميد خالد عيد، في تصريح لصحيفة" الثورة السورية"، إن العمليات المنفذة منذ التحرير أسفرت عن مصادرة 697 مليون حبة كبتاغون، و15 طناً من الحشيش، و84.
5 كيلوغراماً من مادة الكريستال، و180 كيلوغراماً من الكوكايين، و7 كيلوغرامات من الهيروين، إضافة إلى 10 ملايين حبة من الأدوية المخدرة، و221 طناً من المواد الأولية المستخدمة في تصنيع المخدرات.
وتزامنت هذه الأرقام مع اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، الذي يوافق 26 من حزيران، ومع تأكيد وزارة الداخلية استمرار جهودها في ملاحقة شبكات الإنتاج والاتجار، وتعزيز التعاون الإقليمي في هذا الملف.
وأكد وزير الداخلية السوري أنس خطاب استمرار جهود الحكومة في مكافحة المخدرات، مشدداً على أن الوصول إلى" سوريا دون مخدرات" يمثل هدفاً وطنياً يتطلب تعاوناً داخلياً وخارجياً.
وقال خطاب، في منشور على منصة" إكس"، إن الحكومة تؤكد للشعب السوري ولدول المنطقة والعالم أنها ماضية في مواجهة هذه الآفة" بكل الوسائل المشروعة".
الشرع: حرب شاملة على المخدراتوفي السياق ذاته، أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن الدولة السورية تنظر إلى مكافحة المخدرات بوصفها" برنامجاً وطنياً" تتكامل فيه جهود مؤسسات الدولة والمجتمع، مشيراً إلى أن سوريا ورثت عن" الحقبة البائدة" إرثاً ثقيلاً تمثل في صناعة المخدرات وترويجها.
وقال الشرع، في كلمة بمناسبة اليوم الدولي لمكافحة المخدرات، إن الحكومة وضعت منذ توليها المسؤولية مكافحة هذه الظاهرة ضمن أولوياتها، معلناً" حرباً شاملة" تستهدف تجفيف منابع إنتاج المخدرات، وقطع طرق تهريبها، ومعالجة الآثار الاجتماعية والصحية المترتبة عليها.
وأضاف أن مواجهة هذه الآفة لا تقتصر على الجهود الداخلية، بل تتطلب تعاوناً إقليمياً ودولياً، مؤكداً أن سوريا تمد يدها إلى دول المنطقة والعالم لبناء شراكة فاعلة للتصدي لخطر المخدرات العابر للحدود.
تقرير أممي: سقوط الأسد غيّر سوق الكبتاغونويأتي ذلك في ظل معطيات دولية تشير إلى أن سقوط نظام الأسد المخلوع أحدث تحولات واضحة في سوق الكبتاغون في الشرق الأوسط.
فقد كشف تقرير الأمم المتحدة العالمي للمخدرات لعام 2026 أن سقوط النظام في سوريا أواخر عام 2024 أدى إلى اضطرابات في سوق الكبتاغون، تمثلت في ارتفاع أسعار الحبوب المخدرة وتغير أنماط الاتجار والتعاطي.
وأشار التقرير الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى أن الاضطرابات التي شهدها السوق عقب سقوط النظام المخلوع أدت إلى تضاعف سعر قرص الكبتاغون في بعض مناطق الشرق الأوسط، ما قد يدفع شريحة من المتعاطين إلى التحول نحو الميثامفيتامين، الذي يشهد انتشاراً متزايداً في المنطقة.
وبينما تعكس الأرقام الرسمية حجم الجهد الأمني المبذول منذ" التحرير"، تؤكد التصريحات الحكومية والخبراء أن معركة مكافحة المخدرات في سوريا لن تُحسم بتفكيك المعامل والشبكات فقط، بل تحتاج إلى مسار طويل يشمل العلاج، وإعادة الدمج، وخلق بدائل اقتصادية في المناطق التي ارتبطت بهذه التجارة، إلى جانب تعاون إقليمي ودولي يمنع عودة سوريا إلى موقعها السابق في خريطة تصنيع وتهريب المخدرات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك