تُمثِّل الزيارات الرسميَّة التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ إحدى أهمِّ أدوات السياسة الخارجيَّة العُمانيَّة في تعزيز المصالح الوطنيَّة؛ لأنَّها تتجاوز إطار العلاقات الدبلوماسيَّة التقليديَّة لتصبحَ منصَّة لبناء شراكات استراتيجيَّة تخدم التنمية الاقتصاديَّة، وترسِّخ المكانة السياسيَّة لسلطنة عُمان على الساحة الدوليَّة.
وتأتي زيارة جلالته إلى الجمهوريَّة الفرنسيَّة في توقيت يشهد متغيِّرات إقليميَّة ودوليَّة متسارعة، الأمر الذي يمنحها أهميَّة خاصَّة في ظلِّ ما تتمتع به العلاقات العُمانيَّة الفرنسيَّة من تاريخ طويل يقوم على الاحترام المتبادل والثقة والتعاون.
وقد أثبتت التجارب أن اللقاءات المباشرة بين قادة الدول تُمثِّل المحرِّك الحقيقي لتوسيع مجالات التعاون؛ لأنَّها تضع الأُطر السياسيَّة التي تنطلق منها الحكومات والقطاع الخاص لتنفيذ المشروعات وبناء الاستثمارات وإطلاق المبادرات المشتركة.
ومن هذا المنطلق أصبحت الدبلوماسيَّة العُمانيَّة رافدًا من روافد التنمية، وأصبحت الزيارات السَّامية أداة لتعزيز الاقتصاد الوطني بقدر ما تُمثِّل وسيلة لترسيخ العلاقات السياسيَّة، وهو ما يعكس رؤية واضحة تجعل السياسة الخارجيَّة شريكًا فاعلًا في تحقيق مستهدفات التنمية المستدامة.
ولعلَّ أبرز ما يميِّز الدبلوماسيَّة العُمانيَّة أنَّها تنطلق من الثقة والاتزان واحترام القانون الدولي، وهي مبادئ أسهمت في ترسيخ مكانة السلطنة شريكًا موثوقًا لدى مختلف دول العالم.
وتُشكِّل زيارة فرنسا امتدادًا لهذا النهج، حيث تُعزِّز التشاور حول القضايا الإقليميَّة والدوليَّة، وتدعم الجهود الراميَّة إلى ترسيخ الأمن والاستقرار وحماية الملاحة البحريَّة وحركة التجارة الدوليَّة، وهي ملفات ترتبط بصورة مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي.
كما تمنح اللقاءات السَّامية العلاقات الثنائيَّة زخمًا جديدًا ينعكس على مختلف مؤسَّسات الدولة والقطاع الخاص، وتؤكد أنَّ السياسة العُمانيَّة تعمل على توظيفها لخدمة المصالح الوطنيَّة وفتح آفاق جديدة للتعاون في مختلف المجالات، بما يُعزِّز حضور سلطنة عُمان على الساحة الدوليَّة ويكرِّس مكانتها بوصفها دولة تمتلك رؤية متوازنة وقدرة عالية على بناء التوافقات.
إنَّ البُعد الاقتصادي لهذه الزيارة يحمل دلالات كبيرة، فالعلاقات العُمانيَّة الفرنسيَّة تشهد نموًّا متواصلًا في مختلف المؤشرات.
فقد تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين (100) مليون ريال عُماني خلال عام 2025، وارتفع عدد الشركات التي تضم إسهامات فرنسيَّة إلى (298) شركة مقارنة بـ(210) شركات في العام السابق.
كما ارتفع حجم رأس المال الفرنسي المستثمر إلى أكثر من (19.
7) مليون ريال عُماني.
وشهد التعاون الاستثماري توقيع (17) اتفاقيَّة بقيمة تجاوزت (762) مليون ريال عُماني، مع توقُّع الإعلان عن اتفاقيَّات ومشروعات جديدة تصل قيمتها إلى نحو (2.
25) مليار دولار أميركي، وتتركز هذه الشراكات في قطاعات الطاقة المتجدِّدة والهيدروجين الأخضر والفضاء والخدمات اللوجستيَّة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وهي مجالات تُمثِّل مرتكزات رئيسة لتحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، وتعكس قدرة السلطنة على استقطاب الاستثمارات النوعيَّة التي تضيف قيمة حقيقيَّة للاقتصاد الوطني.
وتمضي سلطنة عُمان بثبات نحو ترسيخ مفهوم الدبلوماسيَّة الاقتصاديَّة؛ باعتباره إحدى أهمِّ أدوات التنمية الوطنيَّة، حيث أصبحت الزيارات السَّامية تفتح المجال أمام انتقال المعرفة والتكنولوجيا، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتعزيز الابتكار، وبناء شراكات طويلة الأمد تقوم على المصالح المشتركة.
وتُمثِّل زيارة جلالة السُّلطان المُعظَّم إلى فرنسا خطوة جديدة في هذا المسار؛ لأنَّها تُعزِّز الثقة الدوليَّة في الاقتصاد العُماني، وتوسِّع دائرة التعاون مع أحَد أهمِّ الشركاء الأوروبيين، وتدعم استقطاب المزيد من الاستثمارات النوعيَّة، بما يسهم في رفع تنافسيَّة الاقتصاد الوطني وتعزيز مكانة سلطنة عُمان مركزًا إقليميًّا للأعمال والاستثمار.
وعندما تقترن الحكمة السياسيَّة برؤية اقتصاديَّة واضحة، تتحول الدبلوماسيَّة إلى قوَّة تنمويَّة قادرة على صناعة الفرص، وترسيخ الاستقرار، وتهيئة مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك