Independent عربية - ما وراء أسر شاليط... وثائق تفضح إخفاقات إسرائيل العربي الجديد - "بي بي سي" توقف بث الموجة الطويلة بعد نحو قرن على انطلاقها روسيا اليوم - فيتسو: سلوفاكيا لن تدعم خلال قمة الناتو تمويل الصراع في أوكرانيا وكالة سبوتنيك - روسيا تستعيد جميع سكان مقاطعة كورسك الذين اختطفتهم أوكرانيا التلفزيون العربي - اليابان والبرازيل.. من خيال "الكابتن ماجد" إلى واقع في مونديال 2026 العربي الجديد - مركز حقوقي: إسرائيل تحوّل العطش إلى أداة قتل في غزة Independent عربية - "ذات الكيمونو الأبيض" تخلط الدم الياباني بالأميركي Independent عربية - برلين تفكر في التجنيد الإجباري: روسيا تتجهز لمواجهة الغرب قناة القاهرة الإخبارية - “حالة صلاح ليست خطيرة”.. حسام حسن يعلق على إصابات منتخب مصر روسيا اليوم - أزمة هرمز النفطية تعيد درس حظر البترول العربي 1973 إلى الواجهة
عامة

تحت هذه السماء المُحتلّة

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 1 ساعة

خلت الأرصفة بجانب حرش بيروت. فجأة، بين ليلة وضحاها. . عاد الرصيف رصيفاً، لا فسحة انتظار ثقيلة على قلوب من مكثوا عليه مُجبرين، شهوراً، تحت خيم مُرتجلة في البدء، صارت تتخذ شكل البيوت كلّما طالت الحرب....

خلت الأرصفة بجانب حرش بيروت.

فجأة، بين ليلة وضحاها.

عاد الرصيف رصيفاً، لا فسحة انتظار ثقيلة على قلوب من مكثوا عليه مُجبرين، شهوراً، تحت خيم مُرتجلة في البدء، صارت تتخذ شكل البيوت كلّما طالت الحرب.

عاد الرصيف؟ بل عاد الناس فخلا الرصيف.

ما أحلاه من مشهد، ما أحلاه من خبر.

في الصباح الباكر كان عمّال البلدية مُنهمكين بفكفكة ما تركه النازحون بعد أن عادوا إلى ضاحيتهم القريبة المُلاصقة للمكان.

وكما نزحوا إلى هنا على عجل، بدا أنّهم تركوا أيضاً المكان على عجل.

مغادرة تشبه فراراً من كابوس طال مكوثه كغيمة سوداء فوق رؤوسهم.

هكذا تركوا خلفهم أكواماً من الفرش الإسفنجية والأغطية الصوفية تشكّلت على بقع مُتباعدة على طول الرصيف في مكان تشييد كلّ خيمة.

فُوجئت بالمنظر حين انعطفت من زاروب صغير إلى الرصيف، حيث صُدمت بوجود كومة ضحمة أمامي منها، فأفلتتْ مني عبارة دهشة: " شو هيدا"؟ قلتها بصوت عال، فإذا بالرجل الذي كان يفكّ حبالًا ربط بها خيمته إلى جدار الحرش، يقول ببهجة خالصة: " خلص.

فالين"، أي انتهى، سنرحل.

احترت فيما أردّ به على عبارته الفرحة تلك، والتي تنم، في آن واحد، عن سعادة بالعودة إلى البيت، وعن انتهاء فترة كان يشعر فيها أنّه عبء علينا نحن سكّان المنطقة.

لم أنجح في إيجاد عبارة مناسبة.

فابتسمت وقلت له الحمد لله ع السلامة.

كما نزحوا إلى هنا على عجل، بدا أنهم تركوا أيضاً المكان على عجلأرمق كومة الأغراض التي تركها العائدون خلفهم، فأجد أشياء كثيرة ما زالت في حال جيدة، ومع ذلك تركوها خلفهم: آنية للطبخ، سلال وخزائن صغيرة، وحتى فرنًا صغيرًا وفلاتر مياه وخيماً.

خاصة الخيم كانت بحال جيدة جدًّا لكنهم تركوها خلفهم، كمن لا يريد التفكير، حتى في أنّه سيحتاج إليها ربّما قريباً.

كما لو كانت تُذكّرهم بأيّام يريدون نسيانها بسرعة.

أمّا عامل البلدية فقد كان عاكفًا على فكّها بسعادة من وجد باب رزق لم يخطر بباله.

هكذا بدوا في تخليهم عن كلّ تلك الأغراض الضرورية، التي اعتقدت أنّهم لا شك سيحتاجون إليها في بيوتهم المُدمّرة، كمن لا يطيق صبرًا للعودة إلى حال استقراره القديم، بالأحرى إلى صورة لا تزال ماثلة في ذاكرته عن بيته وحيّه، لم تُستبدل بها بعد صور الدمار.

كمن لا يريد حتى الالتفات إلى الوراء، أو كمن يُسرع الخطى مُبتعداً في المكان، ظناً منه أنّه لو وسّع الخطى سيصل أسرع إلى مستقبل، تصبح فيه هذه الأيّام ذكرى بعيدة، يحكي عنها لأحفاده الذين لم يولدوا بعد، فيتعجّبون ويفغرون أفواههم دهشةً، ويستزيدونه من التفاصيل، في حين قد يهتف شخص ما في الجلسة، عاش معهم هذه الأيّام: " تنذكر ما تنعاد".

لكنها، على ما يبدو" ستنعاد"، وإلى ما لا نهاية.

وبغضّ النظر عمّا نريده نحن، أي الشعب اللبناني، العاجز بفروعه جميعها الأيديولوجية والطائفية عن التأثير في النظام الذي يحكمنا.

هذا ما يقوله تاريخنا المُدوّر كحلقة مفرغة.

حسناً.

خلا الرصيف، وامتلأت الضاحية.

وعاد النازحون، أو من استطاع منهم، إلى قراهم وبلداتهم المُدمّرة، لكن العدو أبى التراجع.

ها هي مُسيّراته تُحلّق على علو منخفض فوق رؤوسنا.

لا انسحاب حتى من سماء العاصمة.

وها هي تقصف وتقتل اللبنانيين العائدين إلى بيوتهم بمُحاذاة ما يُسمّى الخط الأصفر.

في حين تواظب الطائرات الحربية على قصف النبطية الفوقا وميفدون وغيرهما، كما على اغتيال الناس على الطرقات، من دون أن تنبس السلطة السياسية ببنت شفة ما عدا كلام مُدوّر وعام لا يُصرف في أيّ مكان ميدانياً.

أمّا رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، بل زعيمها، فها هو يعلن أنه لا تراجع عن المساحات التي قضمها من أرضنا، ولو بأوامر أميركية تريد تيسير اتفاقها مع طهران.

على ما يبدو" ستنعاد"، وإلى ما لا نهاية.

هذا ما يقوله تاريخنا المُدوّر كحلقة مفرغةلقد بلغ جنون العظمة مبلغه منه، وها هو يحاول التمرّد على معلمه الأميركي المُصاب هو الآخر بجنون العظمة.

كيف يتراجع وهو يرى السلطة اللبنانية مُهرولة نحوه في واشنطن، خاضعة مُسبقاً لكلّ ما يريد؟ كيف يفعل وقد وصلت البلاد إلى حافة الفتنة؟تحت هذه السماء المُحتلة، نحن مكشوفون بالكامل: سياسياً وعسكرياً وأمنياً.

أمّا المناطق التي تعتبرها إسرائيل" محرّرة" من المقاومة، فلا يدرك سكانها أنهم أيضاً مكشوفون.

تكاد المُسيّرات يصطدم بعضها ببعض في أجواء لبنان الداشرة.

وهي ليست فقط إسرائيلية.

هذا ما كشفته تقارير استخبارية سُرّبت للإعلام، عن اشتراك بلاد" صديقة" كفرنسا مثلاً، بتشغيل مُسيّرات مراقبة وجمع داتا، يعني تجسّس، في أجوائنا، تُضاف الى صديقاتها الإسرائيليات اللواتي يشاركنها ما تحصلن عليه من داتا طازجة، واصلة يومياً من مزارعنا فوراً إلى طاولة العدو.

داتا مُنوّعة أكثر من أطباق المازة التي اشتُهر بها المطبخ اللبناني، تبدأ من أسمائنا وصلات قرابتنا بهذا أو ذاك، إضافة بالطبع إلى أماكن إقامتنا وميولنا السياسية ولا تنتهي ببصمة أعيننا وصوتنا وخريطة تنقلاتنا اليومية.

هذا من دون حسبان المُسيّرات الأميركية" الصديقة" بالطبع.

وإن كانت استباحة مُسيّرات العدو وانتهاكها لأجوائنا مفهوماً كونها بكلّ بساطة عدوة، فإنّ ما هو غير مفهوم هو سلوك" الأصدقاء": كيف تحلّق كلّ تلك المُسيّرات بكلّ تلك الحرية؟ من سمح لها؟ ومع من تنسّق؟ وإلى أين تذهب المعلومات التي تجمعها ولم تجمعها؟ كيف يُسمح لها باستباحة معلوماتنا؟ ولم لا يعرف اللبنانيون شيئًا عنها؟منذ أيّام شاهدت فيديو صور بعدسة منظار ليلي تظهر فيه سماء جبل لبنان مُزدحمة بعشرات المُسيّرات.

كان المنظر مُدهشاً، لكني لاحظت أنّها مُسيّرات صامتة، عكس تلك المُخصّصة للضغط النفسي على العاصمة والجنوب وبقية البلاد، والتي يتواصل ضجيجها الذي لا يُطاق، ليلًا نهارًا، فقط لا غير.

ربما كان صمت المُسيّرات للتخفّي، لكنه خيار أيضاً لمن يُشغّلها، وقد يكون إعفاء المناطق التي يعتبرها العدو صديقة أو مُحايدة من الضجيج، هو كلّ ما سيتفضّل به على تلك المناطق.

هذا ما يوحي به على الأقل مسار المفاوضات الدائرة في واشنطن.

وقد أثبتته نتائجها الكارثية والخطيرة والمَعيبة التي أُعلنت أمس.

وللحديث صلة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك