للقاهرة تاريخان: تاريخ مكتوب في الكتب والوثائق، وتاريخ آخر أسطوري محفور في ذاكرة الناس.
القاهرة من المدن التي تحمل في أزقتها وأحيائها العتيقة طبقات متراكمة من التاريخ، بعضها يرقى إلى وصف الأسطورة لغرابته ولا معقولية وقائعه.
بين صفحات هذا التاريخ الأسطوري شخصيات لا نجد لها ذكراً عند المؤرخين، لكنها عاشت في وجدان المصريين جيلاً بعد جيل.
يروي علي مبارك في موسوعته «الخطط التوفيقية» قصة رجل يُدعى صالح، احترف الإجرام والسرقة بالإكراه، واتخذ من منطقة درب سعادة بالقاهرة مقراً لممارسة نشاطه الإجرامي، فكان يجلس في أحد الأزقة يرقب المارة بحثاً عن الضحية التي سيقوم رجال عصابته بسرقتها.
وحين يلوح في الأفق الشخص المناسب، يُطلق صيحته بكلمة السر المتفق عليها «يا واحد»، فينقضّ أفراد عصابته على الضحية يسلبونه جميع ما يملك من مال ومتاع، ثم يتفرقون في أزقة درب سعادة المتشعبة الضيقة.
تكررت الجريمة مرات حتى ضجّ الناس بالشكوى وتدخلت الشرطة وتتبعت خيوط القضية، فنصبت كميناً للقبض على العصابة، وتمكنت من القبض على بعض أفراد التنظيم بينما هرب زعيمهم صالح واختبأ في منزل سيدة كانت تحترف الغناء.
لكن حالة الهلع التي انتابته جراء المطاردة تسببت في إصابته بمرض أفقده القدرة على الكلام.
أما صاحبة المنزل فقد قيّدت قدميه بالحديد خوفاً من تهمة إيواء مجرم، وتركته يهذي بكلمات لا يفهمها أحد.
جاءت الشرطة فرأت رجلاً عاجزاً مريضاً مكبّلاً، فتعاطفت معه وأطلقت سراحه.
وهنا انتهت قصة اللص صالح وبدأت قصة صالح أبوحديد الذي نُسجت حوله الأساطير.
سرعان ما ذاع صيته وتناسى الناس ماضيه، واعتبروا أن ما يهذي به من كلمات غير مفهومة إنما هي رسائل من عالم آخر، وبشارات وتحذيرات لمن يُحسن قراءتها.
وكان لا بد من وسيط يترجم هذا «الكلام السماوي»، فظهر من يتصدى لهذه المهمة.
توافد الناس، وكان جلّهم من النساء الباحثات عن الزواج والإنجاب وما شابه، وكانت الإجابات المنقولة عن لسان صالح أبوحديد ملؤها الأمل في مستقبل تتحقق فيه الأمنيات.
حتى سمعت بأمره الوالدة باشا خوشيار هانم، أرملة إبراهيم باشا، فقصدت بابه تستطلع الخبر، فأُخبرت أن ابنها إسماعيل سيصير حاكماً لمصر، وأن أخاه غير الشقيق مصطفى فاضل سيخرج من معادلة الحكم والسياسة، ليخلو الجو للأمير إسماعيل الذي سيصبح أول من يتلقب بلقب خديوي مصر بين حكام أسرة محمد علي.
طمح إسماعيل أن يحوّل مصر إلى قطعة من أوروبا، فبنى القاهرة الخديوية بشوارعها الواسعة وميادينها الفسيحة، وأسّس دار الأوبرا، وفتح أبواب مصر للعلم والفن والتحديث.
لكن هذا الرجل نفسه، بكل نزعته الحداثية ورغبته في التحرر من الموروث، لم يستطع أن يتحرر من سحر البشارة التي سمعتها أمه يوم زارت صالح أبوحديد.
فأمر ببناء مسجد فخم له في ضاحية السيدة زينب، وأوقف عليه الأوقاف، واستقدم خطاط الحرمين عبدالله الزهدي ليُزيّن جدرانه بأجمل الخطوط العربية.
ولا يزال هذا المسجد قائماً في قلب القاهرة، شاهداً على قصص الحكم والسياسة والتحديث والتطلع للغرب والإغراق في المحلية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك