لم يكن تأهل منتخب مصر إلى الأدوار الإقصائية في كأس العالم 2026 مجرد إنجاز رياضي عابر، بل لحظة تاريخية انتظرها المصريون لأجيال طويلة.
فبعد عقود من المشاركات التي ارتبطت غالباً بفكرة" الظهور المشرف"، نجح الفراعنة أخيراً في كسر الحاجز النفسي والرياضي الذي رافقهم في البطولة العالمية، وانتقلوا من خانة الحضور إلى خانة المنافسة الحقيقية.
ما تحقق في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك لا يمكن اختزاله في نتيجة مباراة أو ترتيب مجموعة، بل هو ثمرة عمل أعاد إلى المنتخب شخصيته وثقته بنفسه.
المنتخب المصري دخل البطولة وسط شكوك عديدة وإصابات مؤثرة وتحديات فنية كبيرة، لكنه نجح في تجاوزها واحدة تلو الأخرى، ليمنح جماهيره لحظات طال انتظارها.
المباراة أمام إيران جسدت شخصية هذا المنتخب الجديدة.
فريق قاتل حتى اللحظات الأخيرة، واجه ظروفاً صعبة وإصابات مؤثرة ونقصاً عددياً، لكنه رفض الاستسلام وتمسك بحلمه حتى النهاية.
وبين تألق مصطفى شوبير في حماية المرمى، والخبرة التي منحها محمد صلاح لزملائه، والروح الجماعية التي ظهرت على أرض الملعب، بدا المنتخب المصري أكثر نضجاً وقدرة على التعامل مع الضغوط.
ومن أبرز مكاسب البطولة أن المنتخب لم يعد يعتمد على اسم واحد فقط، فعلى امتداد المباريات ظهر أكثر من لاعب قادر على صناعة الفارق، وهو مؤشر مهم على تطور المجموعة الحالية، كما أن الحصيلة الهجومية عكست جرأة أكبر ورغبة واضحة في المبادرة بدلاً من الاكتفاء بالدفاع وانتظار المنافس.
ويستحق حسام حسن نصيباً كبيراً من الإشادة.
فالمدرب الذي كان أحد رموز جيل مونديال 1990 عاد بعد سنوات طويلة ليقود منتخب بلاده إلى صفحة جديدة من التاريخ، نجح" العميد" في بناء فريق يؤمن بنفسه، ويتعامل مع المباريات بعقلية مختلفة عن تلك التي رافقت المنتخبات المصرية في نسخة سابقة من كأس العالم.
لكن الاحتفال يجب ألّا يتحوّل إلى شعور بالاكتفاء، فالطريق ما زال مفتوحاً أمام المنتخب المصري لكتابة فصول إضافية من هذه القصة، المواجهة المقبلة أمام أستراليا ستكون اختباراً مختلفاً تماماً، أمام منتخب يتميز بالقوة البدنية والانضباط التكتيكي والخبرة في المباريات الإقصائية، لذلك فإن التأهل التاريخي لن تكون له القيمة الكاملة إلّا إذا تمكن الفراعنة من مواصلة المشوار وتأكيد أن ما يحدث ليس مجرد لحظة استثنائية، بل بداية مرحلة جديدة.
الأهم أن منتخب مصر أعاد الأمل إلى جماهيره، أعاد إليها الشعور بأن مصر قادرة على الحلم في كأس العالم، لا الاكتفاء بالمشاركة، وبين فرحة التأهل وطموح ما هو أكبر، تقف الجماهير المصرية اليوم أمام فرصة نادرة لم تعشها من قبل: متابعة منتخبها في الأدوار الإقصائية وهي تؤمن أن الحكاية لم تصل بعد إلى نهايتها.
لقد كسر الفراعنة حاجزاً عمره عقود، لكن الإنجاز الحقيقي سيكون في تحويل هذا التأهل من ذكرى تاريخية إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر طموحاً للكرة المصرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك