ثمة قضايا لا تستحق الرد، ولكنها تستحق التذكير بالحقيقة، فقد ترددت قبل أن أكتب هذا المقال تعليقًا على ما ورد في المقال الذي نشره، قبل أيام، رئيس تحرير صحيفة “كيهان” الإيرانية حسين شريعتمداري، والذي زعم فيه أن البحرين جزء من الأراضي الإيرانية، وأن شعبها ما زال يعتبر نفسه إيرانيًا ويطالب بالانضمام إلى إيران.
كان ترددي نابعًا من قناعة راسخة بأن بعض الخطابات الاستفزازية لا تستحق أن تُمنح ما تبحث عنه من اهتمام، فهناك من يتعمد إثارة الجدل، وهو يعلم قبل غيره أن ما يردده لا يقوم على حقيقة تاريخية ولا يستند إلى أساس قانوني، وإنما يهدف إلى إثارة الضجيج واستقطاب الأنظار، والرد عليه قد يحقق له ما يسعى إليه.
غير أن الواجب الوطني والظروف الدقيقة التي تمر بها منطقتنا، يدفعانني إلى الانضمام إلى الموقف الشعبي البحريني والعربي الواسع الذي استنكر هذه الادعاءات، ليس خوفًا منها، وإنما دفاعًا عن الحقيقة، وتأكيدًا أن سيادة البحرين ليست موضوعًا قابلًا للجدل أو المساومة.
وقد سبق أن أشرت في مقال سابق إلى أن النظام الإيراني يواجه اليوم تحديات داخلية غير مسبوقة؛ اقتصاد مثقل بالعقوبات، وتضخم مرتفع، وتراجع في مستويات المعيشة، ومطالب شعبية متزايدة بالإصلاح، إلى جانب إرهاق أصاب المجتمع الإيراني بعد سنوات طويلة من العزلة والصراعات.
وفي مثل هذه الظروف، تلجأ بعض الأنظمة إلى تصعيد الخطاب الخارجي وافتعال التوتر والأزمات، لأن خلق عدو خارجي يساهم في توحيد الجبهة الداخلية، ويصرف اهتمام المواطنين عن أزماتهم الحقيقية.
وهكذا تصبح التصريحات الاستفزازية وسيلة من وسائل التعبئة السياسية أكثر منها تعبيرًا عن موقف واقعي أو سياسة مسؤولة.
ولذلك، فإن ما كتبه شريعتمداري لا يمكن عزله عن هذا السياق، خصوصًا أنها ليست المرة الأولى التي يطلق فيها مثل هذه الادعاءات، كما أنه ليس الوحيد الذي يلجأ إليها كلما اشتدت الضغوط الداخلية في إيران.
لكن ما يثير الاستغراب أن هذه الادعاءات تصطدم بحقائق لا تقبل الجدل، فاستقلال البحرين وسيادتها لم يعودا مجرد وقائع تاريخية، وإنما حقائق قانونية وسياسية ثابتة كرستها الشرعية الدولية، وأقرتها الأسرة الدولية بأسرها، بما في ذلك إيران نفسها، التي كانت ترتبط مع البحرين بعلاقات دبلوماسية رسمية وتبادل للتمثيل السياسي، وهو اعتراف صريح بسيادة الدولة البحرينية واستقلالها.
أما إرادة شعب البحرين، فقد حُسمت بصورة لا لبس فيها عندما أجرت “الأمم المتحدة” بالعام 1970 استقصاءً دوليًا لإرادة الشعب البحريني، بموافقة الحكومة الإيرانية آنذاك، فجاءت النتيجة واضحة وحاسمة، فقد اختار البحرينيون، سنة وشيعة، الاستقلال، وتمسكوا بعروبتهم وبهويتهم الوطنية ونظامهم السياسي، وهو ما مهد لاعتراف المجتمع الدولي باستقلال البحرين وانضمامها إلى “الأمم المتحدة”.
ومن هنا، فإن الادعاء بأن شعب البحرين ما زال يطالب بالانضمام إلى إيران لا يناقض الوقائع التاريخية فحسب، بل يناقض أيضًا الإرادة الشعبية الموثقة والاعتراف الدولي القائم منذ أكثر من خمسة عقود.
ولعل أكثر ما يسيء إليه هذا الخطاب أنه يفترض، بصورة ضمنية، أن شيعة البحرين لا يتمتعون بإرادة وطنية مستقلة، وأن ولاءهم يتجاوز وطنهم.
وهذه إساءة قبل أن تكون مغالطة سياسية،فالشيعة في البحرين كانوا، وما زالوا، جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني، وأسهموا في بناء الدولة ومؤسساتها، ويتمسكون، شأنهم شأن بقية أبناء الوطن، باستقلال البحرين وسيادتها وهويتها العربية.
والاختلافات المذهبية لم تكن يومًا مبررًا للتشكيك في الانتماء الوطني، ولن تكون كذلك.
ثم إن من يزعم أن شيعة البحرين يتطلعون إلى الانضمام إلى إيران، يتجاهل واقع الشيعة العرب داخل إيران نفسها، ولا سيما في إقليم الأهواز، حيث يشكو كثيرون تحديات تتعلق بالتهميش والتنمية والهوية والثقافة، فضلًا عن أوضاع مذاهب وقوميات أخرى كالسنة والأكراد والبلوش وغيرهم.
ومن الطبيعي أن يتساءل أي مراقب: كيف يمكن لمن يرى هذه التحديات أن يصدق أن البحرينيين يتطلعون إلى التخلي عن وطنهم ودولتهم المستقلة، وعن ما يتمتعون به من حرية وكرامة واطمئنان؟إن البحرين اليوم ليست بحاجة إلى إثبات عروبتها أو استقلالها، فهذه حقائق راسخة لا يغيرها مقال صحفي، ولا تصريح انفعالي، ولا خطاب تعبوي.
وهي دولة ذات سيادة كاملة، تحظى باعتراف المجتمع الدولي، وتتمتع بعلاقات طبيعية مع دول العالم كافة.
وإذا كان من رسالة ينبغي أن تصل إلى أصحاب هذه الادعاءات، فهي أن البحرينيين، بمختلف مكوناتهم، يدركون جيدًا قيمة وحدتهم الوطنية، وأنهم أقدر من أي وقت مضى على التمييز بين الاختلاف المشروع، ومحاولات استغلال الانتماءات المذهبية للنيل من سيادة وطنهم.
لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تُبنى بالأوهام، ولا تُغيَّر حدودها بالمقالات، ولا تُصادر إرادة الشعوب بالشعارات.
وستبقى البحرين، كما كانت دائمًا، وطنًا عربيًا مستقلًا، يعتز بهويته، ويتمسك بسيادته، وبنظامه السياسي بقيادة أسرة آل خليفة الكرام، ويثق بوحدة شعبه، ويؤمن بأن الحقائق الراسخة لا تهزها حملات إعلامية عابرة، مهما ارتفع صوتها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك