تواتر الحديث عن تداعيات" طوفان الأقصى" السلبية على الاحتلال الصهيوني والمشروع الصهيوأميركي في الإقليم منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كما تواصل الحديث ذاته عن تداعيات عدوان الإبادة الجماعية المتواصلة حتّى اللحظة في فلسطين كلّها، وفي الآونة الأخيرة امتد إلى تداعيات التفاهم الأميركي الإيراني السلبية.
بدايةً، لا بدّ من تحليل ما يحدث على اعتباره سلسلة متواصلة من الأحداث المتعاقبة، إذ لم يكن من سبيلٍ أمام الاحتلال للهرب من تداعيات" طوفان الأقصى" سوى الإيغال في الإجرام بحق المدنيين الفلسطينيين وغير الفلسطينيين؛ كما يحدث في كل من لبنان وسورية وإيران، وهو ما يعرف بالحلّ الأمني! طبعاً كان الحلّ الإجرامي الصهيوني (المسمى إعلامياً زوراً بالحلّ الأمني) في البداية خياراً مدعوماً من المجتمع الدولي برمته، خصوصاً أميركا ودول الاتّحاد الأوروبي، في حين تصاعدت موجات الغضب الشعبي العالمي تجاهه بسرعةٍ كبيرة، في ما اعتُقد في حينه بأنّه مجرد ترند عالمي سرعان ما سيختفي، وهو ما ثبت خطؤه تماماً، إذ فرض الحراك الشعبي العالمي مزيداً من الضغوط على الاحتلال، وعلى الحكومات الغربية، من أجل وقف دعم الاحتلال ودعم جرائمه المتواصلة، وهو ما أفضى إلى تزايد الانتقادات السياسية للاحتلال، والمطالبة بوقف جرائمه، مع تراجع الدعم السياسي، وبدرجةٍ ما تراجع الدعم الاقتصادي والعسكري، كما تبدّى في أكثر من مناسبة.
فقد ينجح الاحتلال في الهروب مجدداً من دفع فاتورة إجرامه الكاملة والمطلقة، عبر خوض عدوان جديد، أو عبر تصعيد إجرامه هنا أو هناك، بيد أن سلوكه الإجرامي هذا لا يعكس نجاحاً في الهروب حقاً بقدر ما يعكس رفع تكلفة التداعيات عليه لاحقاًمرّةً أخرى لم يجد الاحتلال سبيلاً للهروب من تداعيات إجرامه المتواصل منذ النكبة الفلسطينية، والمتصاعد بجنون منذ السابع من أكتوبر، سوى التمادي بمزيد من الإجرام، وهو ما مارسه في الضفّة الغربية ولبنان وسورية وإيران، مستنداً إلى دعم أميركي رسمي غير محدود، وصل إلى حدّ المشاركة الفعلية في العدوان على إيران تحديداً.
ومرّةً أخرى يبدو أن الاحتلال يهرب من تداعيات أفعاله الإجرامية المتواصلة، بيد أن الواقع يكشف عن غوصه أكثر في وحل أفعاله الإجرامية، إذ تصاعدت الانتقادات والسخط الشعبي تجاه الاحتلال حتّى في الأوساط المحسوبة عليه، كما في أوساط الحزب الجمهوري الأميركي، أو معسكر اليمين الأميركي، حتّى وصلنا إلى انتقادات أميركية علنية يصدرها أعلى الهرم الأميركي متمثلةً في تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه جي دي فانس، والمطالبات العلنية بضرورة وقف أو ضبط النهج الأمني (أي ضبط جرائم الاحتلال)، والبحث عن حلول سياسية لمعالجة مشاكل الاحتلال ومخاوفه، كما أقر كلاهما بعزلة إسرائيل وتزايد الغضب العالمي من ممارساتها.
اليوم، وبعد توقيع مذكرة التفاهم الأميركي الإيراني، " مذكرة إسلام أباد"، لا يختلف اثنان على تداعياتها السلبية على الاحتلال الإسرائيلي، عسكرياً واقتصادياً وأمنياً وسياسياً، بل توحي بأن الاتّفاق الشامل مستقبلاً سيحمل مزيداً من التداعيات السلبية، وكأننا في واقع إقليمي جديد يخالف رغبات الاحتلال، فالمذكرة والاتّفاق المحتمل وفقاً لها يعكسان دوراً إقليمياً؛ ونسبياً دولياً، أكبر لإيران وحلفائها؛ أي أذرعها الإقليمية، ما سينعكس حتماً على الداخل الفلسطيني، كما يوحي بتراجع النفوذ الأميركي تراجعاً قد يصعب التكهن بحدوده الآن، فالأمر متوقفٌ على أمور أخرى، منها ترتيبات الدول الإقليمية المستقبلية، وحدود الدور الصيني والأوروبي والروسي إقليمياً.
من هنا تكثر التوقعات بسعي الاحتلال إلى مزيدٍ من الإجرام، وهو ما ينعكس في تصعيده على الجبهة اللبنانية وفي فلسطين، في محاولة للهرب من تحمل تداعيات جرائمه وإخفاقاته الأمنية والعسكرية، والأهم السياسية والأخلاقية.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن رغبة الاحتلال في مزيد من الإجرام والاعتداءات تترافق مع رغبة الولايات المتّحدة في فرض هيمنتها العالمية عسكرياً، بعد التراجع الملحوظ في قوتها الناعمة، الّتي ترافقت مع مشاركتها في عدوان الإبادة الجماعية على قطاع غزّة في ظل إدارة جو بايدن الديمقراطية، وتسارعت بعدها في ظل إدارة ترامب المستفزة لدول العالم أجمع وشعوبه.
بناءً عليه؛ إن سبيل هروب الاحتلال الوحيد من التداعيات هوالإيغال في الإجرام، فقد ينجح الاحتلال في الهروب مجدداً من دفع فاتورة إجرامه الكاملة والمطلقة، عبر خوض عدوان جديد، أو عبر تصعيد إجرامه هنا أو هناك، بيد أن سلوكه الإجرامي هذا لا يعكس نجاحاً في الهروب حقاً بقدر ما يعكس رفع تكلفة التداعيات عليه لاحقاً، كما هو واضح من مكانة الاحتلال عالمياً ودولياً على الصعيدين الرسمي والشعبي، ليس في دول العالم الثالث فقط، بل في دول الاتّحاد الأوروبي؛ حتّى ألمانيا، وفي الولايات المتّحدة أيضاً، الّتي أشار فيها نائب رئيسها إلى أن تسليح الاحتلال يدفع من جيوب الأميركيين، في إشارةٍ كان من شبه المستحيل توقعها.
وبالتالي فإن تمادي الاحتلال في اعتداءاته وإجرامه سيحمل له بكل تأكيد مزيدًا من التراجع والخسائر على الصعد كلها، إذ لا يمكن حجب الشمس بغربال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك