استغل المخرج الأميركي بيتر غلانز موهبته في كتابة السيناريو، مُستعملاً إياها في أحدث مشاريعه السينمائية، " منزل سافاج" (Savage House)، الذي أخرجه وكتب أحداثه ورسم كل معالمها، انطلاقاً من الخيال، مُبتعداً عن التاريخ الموثّق والاقتباسات الأدبية، التي دأب عليها مخرجو هذا النوع من الأفلام، خاصة أن سياقاتها جرت في نهاية القرن الـ17 وبداية القرن الـ18، عندما كانت بريطانيا تعيش فوضى سياسية واسعة، عكستها انتفاضة شعبية تسمّى" اليعاقبة"، المنادية بضرورة تنحّي الملك جورج الأول، وإرجاع الملك جيمس الثاني، الذي أطيح من العرش.
أما الفوضى الصحية، فتمثّلت في انتشار مرض الجدري في كلّ مناطق المملكة، ما صعّب حياة الناس وطرق عيشهم؛ الفقراء الذين يعيشون في القاع، وطبقة النبلاء والملوك معاً.
هذه الخلفيات التاريخية المثبتة استعملها غلانز، صانعاً عبرها فيلماً ساخراً يُصنّف في تيار السينما البيكارسيكية، وهذا مصطلح مأخوذ من الأدب، يعني معالجة رواية أدبية تنتمي شخصيتها إلى العالم السفلي/القاع، لكنها تتدرج في المجتمع، وتذوب في الطبقة النبيلة.
إنه حال بطل" منزل سافاج"، السِير تْشُنْسي سافاج (ريتشارد إي غرانت)، الذي استطاع الخروج من الطبقة المنتمي إليها (عامل بسيط في الإسطبل)، ليرتبط باللايدي سافاج (كلير فوي)، التي ورثت النبالة والأملاك أباً عن جد، حتى أصبح فرداً من عائلتها، بعد أن سحرها بحيله ولسانه وادّعائه حبها.
بذلك، استطاع نهب أملاكها، بجعلها تبيع كل شيء من أجله، فتكاثرت الديون على العائلة، التي أصبحت أسيرة المصارف.
تجد العائلة في رغبة دوق ودوقة ديفونشاير في زيارتها خلاصاً لها من كل مشاكلها، فشرعت في بيع ما تبقى من أملاك، لاستضافة الزائرَين في أفضل حال.
لكن، في التحضيرات، حدثت معطيات كثيرة، وانقلب الوضع رأساً على عقب، وظهرت مفاجآت غير منتظرة.
نسج غلانز من هذه المنطلقات التاريخية الموثّقة سلوكات سلبية.
فهذه المنطلقات يمكن إسقاطها بسهولة على ما يحدث في مجتمعات كثيرة حالياً، إذ عرف كيف يوجّه معارفه ومواهبه ورؤاه، لفضح فئات من المجتمع الحديث، تنادي بالواجهة والوقار، وتبحث عن مصالحها الشخصية، ولا يهمّها اتّباع أي أسلوب لتحقيقها، فالمهم بلوغ الغاية وتحقيق المآرب.
لكن النهايات لا تكون دائماً مشرقة، لأنها في مرات كثيرة تكون كارثية ومظلمة.
هنا، تتدخّل الوقائع لرسم دروب عبثية لهؤلاء.
إنها الصورة الكلية التي أراد غلانز إيصالها إلى المتلقي، ليفهم أبعادها وإسقاطاتها بشكل سليم.
عائلة سافاج نموذج مثالي عن تلك الفترة، التي أُذيبت فيها الروح الإنسانية، وقُسّم المجتمع إلى طبقات، من أجل السلطة والثروة وكسب الأملاك وجلب النبالة والتقرّب من البلاط.
لا يهمّ السلوك المتّبع لتحقيق تلك المآرب.
كأن غلانز يُقيم مقارنة عملية بين الماضي والحاضر، ليقول إن تلك التصرفات باقية ولو تغيّرت طرق استعمالها، ومنطلقات فهمها وتجسيدها.
لكن تركيزه على خلق عبثية وسخرية لم ينسه الجانب الفني، فحافظ على السحر البصري لتلك الفترة، من خلال أزياء الشخصيات، وتُحف المنزل وسقفه العالي ودهاليزه، وامتداد حديقته، واتّساع أبوابه.
معطيات ساهمت في استيعاب الحقبة، وهضم تفاصيلها.
كما أن التمثيل الجيد، وحسن إدارة الممثلين، ساهما في رسم معالم ذاك التعاطي الإيجابي، إذ عكس كل فرد دوره بمقدرة، واستطاع إيصال عواطفه إلى المتلقي، خاصة ريتشارد إي غرانت، مؤدي دور الرجل المتسلق الذي أصبح نبيلاً، وتماثله بهذه القوة كلير فوي، التي لها تجربة كبيرة ساعدتها في تأدية الدور، وفهم معالمه الفيزيولوجية والنفسية.
إضافة إلى الممثلين الآخرين، الذين شكّلوا هم أيضاً انسجاماً واضحاً.
إضافة إلى ذلك، هناك التصوير الذي أحسن ضبط تلك المعالم، بفضل مدير التصوير البرازيلي أديريانو غولدمان، الذي يملك مرجعية مهمّة ومساراً حافلاً بالإنجازات.
استطاع أن يخلق من تلك المشاهد المتنوعة لوحات بصرية متكاملة، ساعدت غلانز كثيراً في رسم بقية العناصر، وأعطى لقصته بُعداً أشمل وأوضح للاستيعاب والفهم، كتنفيذ المشاهد الداخلية الصعبة، والتقاط تفاصيل كثيرة، والمشاهد الخارجية التي تجسّد الصورة الكلية للمنزل، مع رصد ما يحيطه من حدائق وأشجار وأراض ممتدّة.
" منزل سافاج" صورة مصغّرة عن الحقارة التي تختبئ خلف الكرامة، والنبالة التي تغطّي النذالة، كما عن تردّي الأخلاق وغيابها كلّياً تقريباً، في عصر أصيب بكل الأمراض والعلل التي نخرت قيمه.
عائلة سافاج عكست سلوك مجتمع، إذ تحوّل المنزل المتداعي إلى" منزل وحوش" بحسب الترجمة الحرفية للعنوان Savage House، وهذه تورية مقصودة لتبيان المرحلة التي يمكن أن يصل إليها الإنسان حين تتراجع مصالحه إلى الوراء.
ولم يقتصر التردي الأخلاقي على جشع الزوجين، بل امتد ليشمل الخيانات.
فاللايدي سافاج تخوض علاقة سرية مع خادمها هاليفاكس (جاك فارثينغ)، بينما ينغمس السير تشونسي في علاقة مع الخادمة دوروثي (بيل باولي).
هذه الازدواجية الفجة تفضح زيف الطبقة المخملية، إذ يتساوى السادة والخدم في الانحطاط.
ورغم أن إيقاع الفيلم قد يبدو مرهقاً وأحادي النبرة، كما يرى النقاد، فإن الأداء الاستثنائي لكلا البطلين أنقذ العمل.
لقد حملا الفيلم، ومنحا الفوضى جاذبية بمساعدة الجارين غريبي الأطوار، اللذين أدى دورهما ريتشارد ماكيب وفيكي بيبردين.
هكذا تكتمل اللوحة، لتؤكد أن المظاهر الخادعة مجرد انعكاس لخراب النفوس، ووثيقة لتعرية البشر، في دراما ساخرة مذهلة وممتعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك