لم تعد مراقبة الفلسطينيين تقتصر على اعتراض المكالمات الهاتفية أو التنصت التقليدي، بل تطورت إلى منظومة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحويل الأصوات إلى بيانات قابلة للبحث والتحليل وربطها بهويات أصحابها.
وتذهب الدراسة، التي حملت عنوان" الأصوات الأسيرة: المراقبة الصوتية الخوارزمية في فلسطين" (Captive Voices: Algorithmic Voice Surveillance in Palestine)، إلى أن الصوت بات يشكل" حدوداً جديدة للمراقبة الرقمية"، بعدما أصبح بالإمكان تحويل المكالمات إلى نصوص، وتحليلها آلياً، والبحث فيها بالكلمات المفتاحية، واستخراج أنماط سلوكية وأمنية منها.
أعدت الدراسة سارة فتح الله، ضمن كتاب جماعي بالإنكليزية صدر حديثاً عن" حملة" (المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي)، وعنوانه" الهيمنة الرقمية: الذكاء الاصطناعي والمراقبة والسلطة الرقمية في فلسطين وما بعدها".
يناقش الكتاب استخدامات الذكاء الاصطناعي في السياق الفلسطيني وعلاقتها بمنظومات الاحتلال والمراقبة الرقمية.
وتستند الدراسة إلى تحقيقات صحافية منشورة ووثائق تقنية وتقارير حقوقية وأبحاث أكاديمية لرسم صورة متكاملة عن كيفية توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مراقبة الفلسطينيين.
توضح الدراسة أن المراقبة الإسرائيلية مرت خلال العقدين الماضيين بتحول جذري.
ففي السابق، كانت تعتمد بصورة أساسية على اعتراض المكالمات الهاتفية وتحليلها يدوياً بواسطة ضباط الاستخبارات، وهي عملية تستغرق وقتاً طويلاً وتتطلب آلاف العاملين.
أما اليوم، فقد أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على أداء جزء كبير من هذه المهمة آلياً.
وتشير الباحثة إلى أن التطور في تقنيات التعرف إلى الكلام (Speech Recognition)، ومعالجة اللغات الطبيعية (Natural Language Processing)، والتعلم الآلي، أتاح تحويل ملايين الساعات من التسجيلات الصوتية إلى نصوص قابلة للفهرسة والبحث خلال وقت قصير، مع إمكانية تصنيفها بحسب الكلمات المفتاحية أو الأشخاص أو المواقع أو الموضوعات.
وبذلك، لم يعد الهدف مجرد الاستماع إلى المكالمات، بل بناء قاعدة بيانات ضخمة يمكن البحث فيها فورياً، بحيث يصبح الصوت نفسه مادة خاماً للتحليل الاستخباراتي.
تشرح الدراسة أن الصوت لم يعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبح سمةً بيومتريةً تشبه بصمة الإصبع أو قزحية العين.
وتعتمد تقنيات" البصمة الصوتية" على تحليل الخصائص الفيزيائية لصوت الإنسان، مثل طبقة الصوت، والإيقاع، وطريقة النطق، والذبذبات الدقيقة، بما يسمح بتمييز الأشخاص حتى لو غيّروا كلماتهم أو استخدموا هواتف مختلفة.
وتلفت الباحثة إلى أن هذه التكنولوجيا أصبحت تستخدم عالمياً في الخدمات المصرفية، وأنظمة الأمن، والمساعدات الرقمية، إلا أن استخدامها في البيئات العسكرية والاستخباراتية يثير أسئلة حقوقية معقدة، خصوصاً عندما يُستخدم على نطاق واسع ضد سكان واقعين تحت الاحتلال.
توضح الدراسة أن معظم المعلومات المتوافرة حول منظومة المراقبة الإسرائيلية لا تأتي من وثائق رسمية، بل من تحقيقات صحافية دولية وشهادات مسؤولين سابقين وتقارير حقوقية.
وتستشهد تحديداً بتحقيق مشترك نشرته صحيفة ذا غارديان ومجلة +972 وموقع لوكال كول، كشف استخدام خدمات" مايكروسوفت أزور" في معالجة كميات ضخمة من البيانات الاستخباراتية، بينها تسجيلات صوتية حولت إلى نصوص بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وبحسب التحقيق، فإن هذه التقنيات سمحت بتحليل ملايين المكالمات والرسائل بصورة أسرع بكثير مما كان ممكناً في السابق، وهو ما منح أجهزة الاستخبارات قدرة أكبر على البحث الفوري داخل البيانات الضخمة وربطها ببيانات أخرى.
وتشير الدراسة إلى أن شركات الحوسبة السحابية العالمية أصبحت جزءاً من هذه المنظومة عبر توفير البنية التحتية اللازمة لتخزين البيانات وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، حتى وإن لم تكن هي الجهة التي تطور الأنظمة الأمنية نفسها.
تلفت الدراسة إلى أن القيمة الحقيقية لهذه الأنظمة لا تكمن فقط في تحويل الصوت إلى نص، بل في إمكانية البحث داخل ملايين التسجيلات في ثوانٍ معدودة.
فبدلاً من الاستماع إلى المكالمات واحدة تلو الأخرى، يستطيع المحلل الاستخباراتي إدخال كلمة مفتاحية أو اسم شخص أو موقع جغرافي، ليعثر النظام تلقائياً على جميع التسجيلات المرتبطة بها، مع ترتيبها زمنياً وربطها ببيانات أخرى مثل سجلات الاتصالات أو المواقع الجغرافية أو الصور.
وترى الباحثة أن هذا التطور حوّل المراقبة من نشاط يعتمد على الاشتباه المسبق إلى منظومة واسعة قادرة على جمع البيانات أولاً ثم البحث فيها لاحقاً، وهو ما يوسع نطاق المراقبة إلى مستويات غير مسبوقة.
لا تتهم الدراسة شركات التكنولوجيا العالمية بإدارة عمليات المراقبة مباشرة، لكنها تشير إلى أن تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية أصبح يعتمد بصورة متزايدة على البنية التحتية التي توفرها شركات الحوسبة السحابية الكبرى، وفي مقدمتها" مايكروسوفت" و" أمازون".
وتستند الباحثة إلى تحقيقات صحافية أفادت بأن الجيش الإسرائيلي استخدم" مايكروسوفت أزور" لتخزين كميات ضخمة من البيانات الاستخباراتية ومعالجتها، بما يشمل تحويل المكالمات الصوتية إلى نصوص باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وتشير الدراسة إلى أن خدمات الحوسبة السحابية لم تعد تقتصر على توفير مساحات تخزين، بل أصبحت تتيح تشغيل نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة لتحليل البيانات الضخمة خلال ثوانٍ، الأمر الذي يغير طبيعة العمل الاستخباراتي جذرياً.
كما تتناول مشروع نيمبوس، وهو العقد المشترك الذي فازت به" غوغل" و" أمازون" لتوفير خدمات الحوسبة السحابية للحكومة الإسرائيلية، والذي أثار خلال السنوات الماضية احتجاجات داخل الشركتين، بعدما عبّر موظفون عن مخاوف من استخدام هذه التقنيات في مراقبة الفلسطينيين أو دعم العمليات العسكرية.
ورغم أن الورقة لا تقدم دليلاً مباشراً على استخدام جميع الخدمات السحابية في المراقبة الصوتية تحديداً، فإنها ترى أن البنية التقنية التي توفرها هذه الشركات تجعل تشغيل أنظمة التعرف إلى الصوت، وتحليل اللغة، والبحث في ملايين التسجيلات، أكثر سهولة وكفاءة من أي وقت مضى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك