في أعقاب الزلزالين القويين اللذين ضربا فنزويلا مساء الأربعاء الماضي، لم تعد الكارثة تُقاس بعدد القتلى أو المباني المنهارة فحسب، بل بالقصص التي وُلدت بين الركام أيضًا.
وشهدت فنزويلا زلزالين عنيفين بلغت قوتهما 7.
2 و7.
5 درجات يوم الأربعاء، وأسفرا عن كارثة إنسانية كبيرة، ووفقًا للسلطات ارتفعت حصيلة الضحايا إلى 1430 قتيلًا على الأقل، مع توقعات بارتفاع العدد، إلى جانب آلاف المصابين وعشرات الآلاف من المفقودين.
مشاهد الدمار لا تزال تروي قصصا مأساوية تبرز الألم الإنساني العميق الذي تعيشه العائلات وهي تنتظر أخبارًا عن مفقوديها بين الركام، وسط صمت ثقيل لا يقطعه سوى أصوات آلاف الحفر التي تبحث عن المفقودين.
وفي مشهد مؤثر داخل مدينة كاتيا لا مار في فنزويلا، ظهر الطفل دانيال كورديرو وهو يخرج من تحت أنقاض مبنى منهار، ووجهه مغطى بالدماء، بينما كان عمال الإنقاذ يساعدونه على الصعود إلى نقالة، وسط تجمع المارة الذين وثّقوا لحظة إنقاذه، بحسب أسوشيتد برس.
وبعد أيام قليلة من الزلزالين العنيفين اللذين ضربا البلاد، أعاد هذا المشهد الأمل إلى كثير من العائلات التي ما زالت تنتظر أي خبر عن أحبائها العالقين تحت الركام.
وتتواصل عمليات البحث والإنقاذ بكثافة منذ أيام، بمشاركة متطوعين مدنيين إلى جانب فرق إنقاذ دولية بدأت بالوصول، في سباق مع الزمن تعتبره منظمات الإغاثة حاسمًا خلال أول 48 إلى 72 ساعة بعد الكارثة، وهي الفترة الأكثر أهمية لإنقاذ الأرواح.
ورغم نجاح بعض عمليات الإنقاذ التي لاقت تصفيقًا من الحاضرين، فإن المشهد الإنساني يبقى قاسيًا، حيث فقدت العديد من العائلات أبناءها وأحباءها تحت الأنقاض.
وانهار مبنى في لا غوايرا كانت تقيم فيه نوريبيل ميندوزا مع ابنيها، اللذين لم ترد أي أخبار عنهما حتى الآن، فيما تحاول العائلة الوصول إليهما وسط نقص في معدات الإنقاذ.
وفي مناطق أخرى من لا غوايرا، تنتظر عائلات كثيرة مصير أبنائها الذين انقطعت أخبارهم منذ يوم الزلزال، حيث تتحول الأرصفة إلى نقاط انتظار مفتوحة، ويواصل السكان والمتطوعون محاولة رفع الركام بأيديهم في ظل بطء وصول المعدات الثقيلة.
وتتكرر قصص الانتظار المؤلم، مثل فلور ماريا غونزاليس التي لم تتلق أي أخبار عن ابنتها وأحفادها الثلاثة منذ انهيار مبنى سكنهم، بينما تواصل العائلة الأمل في أن يكونوا من بين الناجين.
ورغم حجم المأساة، ما زال الناجون يتمسكون بخيط الأمل، في انتظار أي إشارة حياة وسط الركام، في واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية قسوة التي شهدتها فنزويلا في السنوات الأخيرة.
وفي كاراباليدا، إحدى أكثر المناطق تضررًا في لا غوايرا، نقلت طائرات الهليكوبتر الأميركية فرق الإنقاذ إلى منطقة هبوط ترابية، وفقًا لشهود عيان من رويترز، حيث أنزلت الطواقم قبل أن تقلع مرة أخرى.
كان من بين حشود المتطوعين أليخاندرو سيرانو، وهو مهندس صناعي يبلغ من العمر 33 عامًا، سافر من سان كريستوبال في غرب فنزويلا بحثًا عن شقيقته آنا سيرانو البالغة من العمر 24 عامًا، والتي كانت تعيش في مبنى باهيا مار في كاراباليدا، والذي دُمر في الزلازل.
قال سيرانو إنه بحث ليلة الخميس في مستشفى بيريز كارينو في كاراكاس، لكنه لم يعثر عليها.
وأضاف أنه قدّم بيانات شقيقته وعنوانها لفرق الإنقاذ من الأرجنتين والسلفادور.
وتابع: «أتمنى ألا يعثروا عليها» بين الأنقاض، قاصدًا أنه يأمل أن تكون لا تزال على قيد الحياة.
وفي منطقة لوس كوراليس الصغيرة المعروفة باسم فالي ديل بينو، قالت بيسي ريفاس، البالغة من العمر 60 عامًا، إن خمسة أو ستة منازل في حيّها لا تزال قائمة ولكنها تضررت.
وقالت: «منذ ليلة الزلازل، ينام جميع الجيران تقريباً في الشارع بسبب الهزات الارتدادية.
أعصابي متوترة، وأنا أفكر في الموتى وفي الأشخاص الذين فقدوا أقاربهم».
وقالت يندري سانتانا، في مكان قريب، إن بعض المنازل في مجمعها السكني الذي يضم 30 منزلاً بها تشققات في الجدران، على الرغم من عدم وقوع وفيات هناك.
وبينما كانت تجلس على الرصيف مع ريفاس بعد جمع تبرعات غذائية من شاحنة، قالت سانتانا إن أختها فقدت منزلها الصغير لكنها نجت.
وقالت: «يؤلمني أن أرى الناس يكافحون كثيرًا ثم يخسرون كل شيء».
وكانت عائلة ليجيا ليفيل بأكملها تقريبا تعيش في ثلاثة مبانٍ سكنية على طول شارع الفنادق، وهو عبارة عن امتداد ساحلي يضم منتجعات مرصعة بأشجار النخيل وشقق سكنية شاهقة على طول ساحل البحر الكاريبي الفنزويلي.
وعندما ضربت موجة مزدوجة قوية من الزلازل المنطقة، انهارت تلك المباني والأرواح التي كانت بداخلها.
وقفزت ليفيل، البالغة من العمر 67 عاما، من نافذة شقتها في الطابق الأول، مما أدى إلى كسر قدمها في أثناء محاولتها الوصول إلى بر الأمان.
ويبدو أن أقاربها لم يحالفهم الحظ.
واعتقدت ليفيل أن والدتها وشقيقتها، اللتين كانتا تسكنان في الشقة المجاورة في مجمع سكني يُدعى ريزيدنسياس آنا مار، قد فارقتا الحياة على الأرجح.
بكت وهي تنتظر بين أنقاض المباني أخبارًا ووصول المساعدة الحكومية قائلة: «لقد فقدناهما».
«أرجوكم، نحن بحاجة ماسة إلى مساعدة دولية هنا.
أي شيء وأي شخص يمكننا الحصول عليه»، هكذا توسلت، بينما كان المتطوعون يمشطون الأنقاض بحثًا عن ناجين في غياب فرق الحماية المدنية.
«لم نكن مستعدين لمثل هذا الأمر - لسنا معتادين على هذا».
وفي الوقت الذي كانت فيه التصريحات الرسمية تُبث بشأن الزلزالين، كانت مواقع التواصل الاجتماعي تعج بأسماء وصور المفقودين، حيث تحولت إلى منصات بحث عن ناجين وسط الدمار الذي طال مناطق واسعة من لا غوايرا ومدن مجاورة مثل كاتيا لا مار وكاراباليدا، والتي أصبحت أشبه بكتل من الركام والخرسانة والغبار.
ومن بين الحالات الموثقة، طيار يُدعى كارلوس رافيلو شوهد آخر مرة في مجمع سكني قبل الزلزال، بينما أطلق أصدقاؤه نداءات عبر الإنترنت يطالبون بأي معلومات عنه.
كما فُقدت عائلات كاملة داخل المبنى نفسه، من بينها مجموعة كانت تدير حضانة للأطفال، ولم يُعرف مصير أفرادها حتى الآن.
وتوافد أقارب المفقودين إلى المراكز الطبية في العاصمة كاراكاس، متمنين رغم كل شيء أن يكونوا قد نُقلوا إلى هناك.
وخارج مستشفى دومينغو لوتشياني العام، كان ديفيد غيفارا يفحص قوائم المرضى المكتوبة بخط اليد بحثا عن اسمي عمتيه، أندريا لايا وغابرييلا فليريت.
وقال غيفارا، الذي كان ابن أخيه سيباستيان، البالغ من العمر سبع سنوات، يخضع لعملية جراحية لإصابات في ذراعيه وساقيه بعد العثور عليه حيًا: «تحدثنا إلى الجيران لكنهم لم يتمكنوا من العثور عليهما».
وكان هيكتور موران سيركوفيتش بجوار حمام السباحة في نادي بلايا غراندي لليخوت، على بعد بضع مئات من الأمتار شمال ريزيدنسياس آنا مار، عندما تسببت 40 ثانية من الاهتزاز الشديد في انهيار مبنى تلو الآخر.
وقال سيركوفيتش، وهو مهندس معماري متقاعد يبلغ من العمر 61 عامًا «كان الأمر وحشيًا وسريعًا للغاية.
لم يكن هناك حتى خمس ثوانٍ للمغادرة.
كان الجميع [من حولنا] يصرخون وفي حالة صدمة، معتقدين أن الحياة قد انتهت».
وتذكر سيركوفيتش مشاهدته لخمسة مبانٍ تنهار «عموديا أمام عينيه».
وبلغ مجموع المباني التي شاهدها نحو 30 مبنى مجاورا قد انهارت.
أما المهندس فرانسيسكو غارسيس فشبَّه قوة الزلازل بطاقة قنبلة ذرية، وقال غارسيس: «لقد شهدنا للتو.
حدثًا زلزاليًّا استثنائيًّا- استثنائيًّا بالنسبة للبلاد، واستثنائيًّا أيضًا على مستوى كوكب الأرض»، بحسب الغارديان.
وأشار إلى أن هذا زلزال أطلق طاقةً تفوق بـ 32 ضعفًا طاقة الزلزال الذي بلغت قوته 6.
5 درجة والذي ضرب المنطقة نفسها عام 1967.
وحذر غارسيس من حدوث هزات ارتدادية حيث استمرت الصفائح التكتونية الكاريبية وأميركا الجنوبية المسؤولة عن الكارثة في التحرك، وقال إنه بمجرد انتهاء جهود الإنقاذ، سيحتاج المهندسون إلى دراسة سبب تعرض لا غوايرا لمثل هذا الضرر الشديد.
وقال دييغو غونزاليس، الذي سارع بنقل ابنة عمه إلى مستشفى دومينغو لوتشياني لتلقي العلاج بعد أن أمضى أربع ساعات في انتشالها من تحت أنقاض منزلها المنهار في كاتيا لا مار، وهي بلدة ساحلية تقع غرب لا غوايرا: «لقد مات الكثير من الناس».
وأضاف: «كاتيا لا مار مدمرة.
لن ينجو منها إلا عدد قليل جدا من المباني».
ووصل روتني بومبارت، وهو مسعف يبلغ من العمر 33 عامًا، إلى المستشفى نفسه لتلقي العلاج من جرح في ذراعه أصيب به في أثناء قضائه خمس ساعات في إخراج والدته، ماريا يوجينيا، من تحت أنقاض مبنى سكني منهار مكون من 15 طابقًا في لا غوايرا.
عثر بومبارت عليها في النهاية بعد أن سمع صراخها طلبًا للمساعدة.
وقال: «لا شيء يهيئك لهذا»، مستذكرًا كيف رأى جثثا ممزقة وأشخاصا أمواتا وأطفالا في منطقة الكارثة - ولكن لم يرَ سوى القليل من المساعدة الحكومية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك