أجمعت عدة تقارير وتحقيقات استقصائية من صحف ومصادر غربية على أن روسيا تواجه في هذه المرحلة أخطر ضغط تتعرض له شبه جزيرة القرم منذ ضمها عام 2014.
ولفتت إلى أن الهجمات الأوكرانية المتواصلة بالمسيرات لم تعد تستهدف مواقع عسكرية فحسب، بل باتت تضرب شرايين الإمداد والطاقة والنقل، في محاولة لعزل الجزيرة واستنزاف موسكو عسكريا واقتصاديا وسياسيا.
list 1 of 2فانس ليس المشكلة.
إسرائيل تواجه تحولا عميقا في السياسة الأمريكيةlist 2 of 2كيف نبهت الهواتف ملايين الأشخاص قبل أن تهز الزلازل فنزويلاوبينما تراهن كييف على أن يتحول هذا الضغط إلى ورقة تفرض بها مفاوضات بشروطها، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه: هل سيدفع الحصار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى التفاوض أم إلى تصعيد أكبر؟في البداية، أفاد موقع آي بيبر البريطاني بأن السلطات الروسية في القرم أعلنت حالة الطوارئ بعد هجمات أوكرانية تسببت في انقطاع التيار الكهربائي ونقص حاد في الوقود.
وذهبت صحيفة تايمز البريطانية إلى أن هذا الإعلان لم يكن مجرد إجراء إداري، بل مؤشر على أن أوكرانيا تقترب من تحقيق هدفها المعلن بـ" عزل القرم".
وأضافت أن الجسور والطرق والسكك الحديدية ومحطات الكهرباء ومستودعات الوقود أصبحت أهدافا يومية، بينما توقفت مبيعات الوقود للمدنيين، وألغيت المخيمات الصيفية، وبدأت طوابير السيارات تمتد على جسر كيرتش في محاولة لمغادرة الجزيرة.
أما صحيفة آي بيبر فتضيف أن صور الطوابير ومحطات الوقود المغلقة أصبحت دليلا بصريا على انتقال الحرب إلى أكثر المناطق التي قدمها الكرملين باعتبارها" الجائزة الكبرى" للحرب.
ويتفق هذا مع ما جاء في موقع أكسيوس الأمريكي بأن إستراتيجية كييف لم تعد تقتصر على إنهاك القوات الروسية في الجبهة، بل تستهدف نقل كلفة الحرب إلى الداخل الروسي.
فالهجمات المتزامنة على مصافي النفط، ومحطات الغاز، ومستودعات الوقود، وخطوط الإمداد، جعلت موسكو تواجه تحديات في تأمين الوقود لمدنها وإمدادات قواتها، بينما أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بدء" عملية تأثير" تمتد أربعين يوما للضغط على روسيا من أجل القبول بتسوية سياسية.
غير أن الأزمة لا تتوقف عند القرم وحدها، فصحيفة لو باريزيان ترى أن كييف تخوض اليوم ما يمكن وصفه بـ" الحرب الاقتصادية"، إذ تضرب البنية التحتية للطاقة التي تمثل المصدر الرئيسي لإيرادات الكرملين.
وتذهب الصحيفة إلى وصف المرحلة بأنها قد تمثل" بداية النهاية الاقتصادية"، خاصة مع تعرض منشآت الغاز والنفط لضربات متكررة، بالتزامن مع تراجع أسعار الطاقة بعد إعادة فتح مضيق هرمز، وهو ما يضاعف الضغوط على الاقتصاد الروسي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات الطاقة.
لكن إذا كانت الضغوط الاقتصادية تتزايد، فإن لوموند تكشف أن الجبهة الداخلية داخل الجيش الروسي لا تبدو أفضل حالا.
وتكشف الصحيفة، استنادا إلى نحو 7000 رسالة مسربة من جنود روس وعائلاتهم، صورة تختلف تماما عن الرواية الرسمية للكرملين، فالرسائل لا تتحدث عن البطولة والانتصارات، بل عن الخوف والفساد والانتهاكات داخل الجيش، وفقا للصحيفة.
وتنسب لوموند لأحد الجنود توسله لقائده قائلا: " لا تقتلني"، قبل أن يشاهد زميلا له يتعرض لإعدام ميداني، بينما يشرح آخر كيف اضطر إلى دفع رشاوى كي لا يعاد إلى الجبهة.
وتشير الدراسة التي استندت إليها الصحيفة إلى أن معظم الشكاوى لا تهاجم الأوكرانيين، وإنما تتهم القادة العسكريين الروس بالفساد، وسوء المعاملة، وإرسال الجنود إلى ما يسمونه" المفرمة"، في إشارة إلى الهجمات الانتحارية.
وتضيف لوموند أن هذه الرسائل تكشف أيضا اقتصادا موازيا داخل الجيش، حيث يمكن شراء الإجازة أو تجنب الخطوط الأمامية بالرشاوى، بينما يحصل بعض القادة على بطاقات الجنود المصرفية قبل إرسالهم إلى المعارك للاستيلاء على مستحقاتهم إذا قتلوا أو فقدوا.
وتخلص الصحيفة إلى أن استمرار الحرب يفاقم الإحساس بالإفلات من العقاب داخل المؤسسة العسكرية، ويقوض معنويات الجنود بصورة متزايدة.
ووسط هذه الضغوط، يبرز السؤال الذي ركزت عليه تايمز وهو: ماذا سيفعل بوتين إذا شعر بأن القرم أصبحت مهددة فعلا؟تشير الصحيفة، في معرض ردها على هذا السؤال، إلى وجود تيارين داخل النخبة الروسية، أحدهما براغماتي يدعو إلى تجميد الحرب والحفاظ على المكاسب الحالية ثم التفاوض، وآخر متشدد يرى أن الحل الوحيد هو التصعيد، عبر تعبئة مئات الآلاف من جنود الاحتياط، وإرسال المجندين إلى الجبهة، وحتى توسيع العمليات ضد الدول الداعمة لأوكرانيا.
وترى الصحيفة أن شخصية بوتين نفسها تجعل التنبؤ صعبا، فهو معروف بالحذر في الظروف العادية، لكنه عندما يشعر بالخطر الوجودي قد يتخذ قرارات متسرعة، على حد قولها.
ولهذا فإن تهديد القرم، التي تمثل بالنسبة إلى بوتين إنجازه السياسي الأكثر شعبية ورمزا للمجد الروسي، قد يدفعه إلى قبول التفاوض، لكنه قد يدفعه بالقدر نفسه إلى رفع سقف المواجهة.
وفي هذا السياق، تنقل أكسيوس عن بوتين قوله إن الضربات الأوكرانية تهدف إلى" زعزعة المجتمع الروسي وإثارة الشكوك حول القوات المسلحة"، في حين يرد زيلينسكي بأن" كل هذه الصعوبات سببها رفض بوتين إنهاء الحرب والاستماع إلى مقترحاتنا للسلام".
وبين هذين الموقفين، تبدو القرم اليوم أكثر من مجرد ساحة معركة، إنها اختبار لإرادة الطرفين، ونقطة قد تحدد ما إذا كانت الحرب ستتجه نحو طاولة المفاوضات أم نحو مرحلة أكثر خطورة من التصعيد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك