تشهد هواية صيد الأسماك في العراق إقبالاً على ممارستها ولا سيما من قبل الشباب، حيث يشجع الآباء ومحبو صيد الأسماك بالصنارة انتشارها، إذ يجدون أن لها أهمية كبيرة في تأهيل الإنسان صحياً ونفسياً، وتحسن من طريقة تفكيره وتعامله مع الأحداث سواء في حياته الاجتماعية أو العملية.
ولم تعد مشاهد الشبان الواقفين بصمت حين تميل الشمس إلى الغروب فوق ضفاف الأنهر، وهم يراقبون خيوط صناراتهم حدثاً عابراً، بل ملامح هواية أخذت تشق طريقها بهدوء بين جيل يبحث عن فسحة هدوء في حياة تتسارع فيها الأخبار والإشعارات والضغوط اليومية.
ويؤكد هواة الصيد أن الصيد يمنحهم فرصة للابتعاد عن الشاشات لساعات، ويعلمهم الصبر والهدوء، ويتيح لهم التواصل مع الطبيعة والناس في وقت يشهد تراجع اللقاءات المباشرة لصالح العالم الافتراضي.
ويلفت باعة معدات الصيد إلى أن الطلب على الصنارات وملحقاتها يشهد نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يؤكده أحمد الجبوري، لـ" العربي الجديد" مبيناً أن معظم الزبائن الجدد هم شبان في مقتبل العمر، لا يكتفون بشراء أدوات الصيد، بل يبحثون عن النصيحة والتوجيه، ويسألون عن أسرار اختيار المكان المناسب، وطبيعة التيارات المائية، وكيفية استخدام الصنارة والتعامل مع الأسماك المختلفة.
مضيفاً: " الكثير منهم يشتري أول صنارة في حياته، لذلك لا يكتفون بالسؤال عن السعر، بل يطلبون شرحاً كاملاً عن كيفية تركيب الخيط، وطريقة تثبيت الطُّعم، وكيفية رمي الصنارة، وأفضل الأوقات للصيد، وحتى عن اتجاه تيار الماء وكيف يؤثر على حركة الأسماك".
ويتابع: " بعض الشبان يتصلون بي بعد يوم أو يومين من الشراء، ويرسلون صوراً للأماكن التي يقفون فيها ويسألونني إن كانت مناسبة للصيد، أو يشتكون من تشابك الخيط أو عدم قدرتهم على الإحساس بحركة السمكة، وأجد نفسي أشرح لهم بالتفصيل ما يحتاجون إليه، لأنهم متحمسون جداً لتعلم الهواية والاستمرار بها".
هذا الحماس الذي يلمسه بائعو الصنارات يجد صداه لدى من أمضوا سنوات طويلة وهم يتتبعون حركة الماء وانتظار اهتزاز الخيط.
ويقول الرجل السبعيني، خضير الفجر لـ" العربي الجديد" إن علاقته بالنهر والصيد يعود لما يزيد على خمسين عاماً، مؤكداً أنه يشعر اليوم بسعادة حقيقية وهو يرى شباناً ومراهقين يقفون إلى جانبه على ضفاف النهر ويتعلمون أسرار هذه الهواية.
مشيراً إلى أنه أورث حب هذه الهواية لأولاده وأحفاده" لها أثر كبير على صحة الفرد النفسية والجسدية، وهو ما ينصح به أيضاً أطباء الصحة النفسية".
مضيفاً: " كنت أخشى أن تختفي هواية الصيد مع تغير نمط الحياة، لكنني فوجئت خلال السنوات الأخيرة بأن أعداد الشباب ازدادت بشكل واضح، وبعضهم أصبح شغوفاً بها إلى درجة أنه يأتي قبل شروق الشمس ويبقى حتى المساء".
موضحاً: " أنا سعيد لأن أبناء الجيل الحالي وجدوا شيئاً يخرجهم من دوامة الهاتف المحمول ومنصات التواصل الاجتماعي.
الصيد يمنح الإنسان فرصة للجلوس مع نفسه، ومراقبة الطبيعة، وسماع أصوات الماء والطيور بدلاً من الضجيج المتواصل".
في الشأن ذاته يتحدث عماد الدين الحياني، (62 عاماً) الذي يمارس هواية صيد الأسماك منذ كان في الثانية عشرة من عمره، مؤكداً لـ" العربي الجديد" أن للصيد أثراً نفسياً لا يمكن تجاهله، قائلاً: " حين تمسك الصنارة وتراقب الماء بهدوء، تشعر وكأن الأفكار السلبية بدأت تتلاشى تدريجياً.
تعلمت من الصيد الصبر وضبط الأعصاب، وأعتقد أن شباب اليوم بحاجة ماسة إلى هذه الدروس، لأن الضغوط التي يعيشونها أكبر بكثير مما عشناه نحن".
ويشاركه زميله فلاح مفتن (55 عاماً) ويشير إلى أن كثيراً من الصيادين لا يعودون إلى منازلهم محملين بالأسماك، لكنهم يعودون بشعور مختلف.
ويقول: " أحياناً أمضي خمس ساعات كاملة ولا أصطاد شيئاً، ومع ذلك أرجع مرتاح البال، وكأنني كنت في جلسة علاج نفسي مجانية"، مضيفاً" حللت مشكلات عائلية كنت عاجزاً عن التفكير فيها، ووجدت أفكاراً لمشاريع صغيرة أرغب في تنفيذها، فقط لأنني كنت جالساً بهدوء بعيداً عن الضوضاء".
ونظراً إلى ما وجده من منفعة كبيرة يقول: " منذ مارست هواية الصيد إلى اليوم وانا أنصح وأشجع الآخرين بممارستها، كنت وما زلت السبب بعشق كثيرين لهذه الهواية ومزاولتها.
أرى أني سأنال أجراً عند الله لكوني سبباً بمزاولة كثيرين لهواية الصيد ومنعهم من الانجراف وراء أشياء ضارة".
ويؤكد شباب كثيرون أنهم لم يكونوا يعتقدون أن هذه الهواية ستكون طقسهم المفضل، وأن النهر هو المعشوق الذي يجدون المتعة الأكبر حين يقفون على ضفافه ممسكين بعصا الصنارة التي يتدلى خيطها في الماء" كأني في حوار عن الحب مع معشوقتي" يقول مرتضى عباس (23 عاماً) وهو يشرح لـ" العربي الجديد شعوره عند ممارسته الصيد.
مضيفاً: " كنت أمارس ألعاب الفيديو لساعات طويلة، ثم صحبني أحد أقاربي إلى النهر قبل نحو عامين، ومنذ ذلك اليوم أصبحت أخصص يوماً أو يومين من كل أسبوع للصيد مهما كانت انشغالاتي".
أما مصطفى قاسم (17 عاماً) فيقول إنه في البداية كان يعتقد أن الهدف الوحيد هو اصطياد السمك، لكنه اكتشف أن الأمر مختلف تماماً، مضيفاً" أجلس ساعات وأنا أحدق في الماء وأفكر في أمور كثيرة تخص دراستي ومستقبلي، وأشعر براحة كبيرة حتى إن لم أصطد سمكة واحدة".
من جانبه يقول أوس قحطان (20 عاماً): " حين بدأت ممارسة الصيد كنت أذهب وحدي، لكنني فوجئت بأن الصيادين يتحدث بعضهم مع بعض بسهولة، ويتبادلون النصائح والقصص وكأن بعضهم يعرف بعضاً منذ سنوات.
تعلمت منهم كثيراً، من تجاربهم وخبراتهم في الحياة.
سمعت منهم حكايات قديمة عن فيضانات شهدها النهر، وقصص صيادين ومعلومات زادت من ثقافتي".
ويتابع مبتسماً: " كوّنت صداقات قوية مع رجال يكبرونني بعشرات السنين.
ما زلنا نلتقي بشكل منتظم على ضفاف النهر ونتبادل الاتصالات ونتفق على رحلات صيد مشتركة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك