يكفي الاستماع إلى ردود فعل حزب الله الغاضبة لنستنتج بأن الاتفاق الذي وقع بشكل غير متوقع، الجمعة الماضي، في واشنطن بين إسرائيل ولبنان، يحمل أنباء سارة لإسرائيل.
فاستعداد لبنان لتحمل المسؤولية الكاملة وممارسة سيادة حكومته في جنوب البلاد أمر مهم جداً.
مع ذلك، يكمن الاختبار كالعادة في تنفيذ ما تم التوقيع عليه.
لم يتم تنفيذ الاتفاق السابق الذي وقع في تشرين الثاني 2024، والذي وفر وضعاً أكثر ملاءمة لإسرائيل بشكل كامل وانهار في نهاية المطاف.
والآن، يتوقف الكثير على قدرة حكومة لبنان والجيش اللبناني على فرض السيطرة على حزب الله، وهو أمر غير سهل.
تذكير تاريخي موجز: بعد مذبحة أكتوبر، ترددت قيادة حزب الله، وانضمت في نهاية المطاف بنطاق محدود للحرب التي شنتها حماس ضد إسرائيل.
تصاعدت شدة القتال في لبنان في الصيف والخريف منذ العام 2024 وانتهى في تشرين الثاني من العام نفسه بهزيمة حزب الله واتفاق وقف إطلاق نار كان ملائماً جداً لإسرائيل.
استمر الجيش الإسرائيلي في الاحتفاظ بخمسة مواقع عسكرية في جنوب لبنان، مقابل وعد غامض بالإخلاء في المستقبل، وواصل قصف عناصر حزب الله دون رادع في مناطق واسعة في محيط نهر الليطاني.
خلال هذه الفترة وحتى آذار 2026 قتل أكثر من 400 عنصر من حزب الله دون إطلاقه حتى صاروخاً واحداً على إسرائيل.
سيطر الجيش الإسرائيلي على مساحة واسعة هناك، ودمر عشرات القرى وقتل آلاف الأشخاص، بينهم عناصر من حزب الله ومدنيون لبنانيون، لكنه لم يصل إلى حد التفكير في استسلام حزب اللهالظروف الآن مختلفة.
لم تحقق الحملة التي استؤنفت في آذار نتائج حاسمة.
فقد سيطر الجيش الإسرائيلي على مساحة واسعة هناك، ودمر عشرات القرى وقتل آلاف الأشخاص، بينهم عناصر من حزب الله ومدنيون لبنانيون، لكنه لم يصل إلى حد التفكير في استسلام حزب الله، مثلما حدث قبل سنة ونصف.
وقد تم التوصل إلى الاتفاق تحت ضغط شديد من الإدارة الأمريكية.
مع ذلك، يصعب تقييم مدى تصميم حكومة لبنان على تنفيذ التزاماتها واستئناف جهود نزع سلاح حزب الله.
في المقابل، يبدو أن حزب الله وإيران تنويان عرقلة الاتفاق.
ثمة تناقض واضح هنا بين الاتفاق في لبنان والاتفاق الذي سبقه في الخليج كمذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تنص المادة 11 في الاتفاق اللبناني على الالتزام بمنع تحويل أموال لإعادة الإعمار إلى نشطاء مسلحين غير حكوميين وكيانات مرتبطة بهم.
مع ذلك من جهة أخرى، يفترض أن يضخ الاتفاق في الخليج مئات مليارات الدولارات في خزينة إيران، ومن الواضح أن نظام طهران سيسعى إلى تجديد دعمه الواسع للمنظمات الإرهابية والمتمردة في الشرق الأوسط، وعلى رأسها حزب الله.
فهل ستوقف الولايات المتحدة هذا في حين أن هدف ترامب النهائي إنهاء حرب الخليج، وإعادة استقرار اسواق الطاقة، وسحب قوات بلاده العسكرية الكبيرة من المنطقة؟استمر التوتر في الخليج خلال الأيام الأخيرة، مع استفزازات من الحرس الثوري الإيراني وهجمات مستهدفة من الولايات المتحدة وإيران.
مع ذلك، يبدو أن تحركات إيران تتم تحت العتبة التي قد تشعل حرباً جديدة: مذكرة التفاهم الموقعة يراها النظام مهمة جداً، بحيث لا يتخلى عنها كجزء من لعبة الردع والاحترام مع الأمريكيين.
في جنوب لبنان، لم يطبق وقف إطلاق النار بشكل كامل بعد، والخميس مساء أصيب أربعة جنود من الجيش الإسرائيلي في حادثة وقعت هناك.
وأبلغ اليوم وأمس عن شن إسرائيل عدة غارات جوية بطائرات مسيرة في المنطقة.
ولكن الاتفاق الموقع في واشنطن يشمل إجلاء تجريبياً لقوات الجيش الإسرائيلي من عدة مناطق شمال الخط الأصفر الممتد في معظمه على بعد 10 كم شمال الحدود بين إسرائيل ولبنان.
ومن المفترض أن تكون هذه المناطق بمثابة اختبار للجيش اللبناني في تفكيك بنية حزب الله التحتية.
وتشمل المناطق الواقعة شمال نهر الليطاني، في مرتفعات علي طاهر شمال قلعة شقيف.
ومن بين المناطق التي يرجح إخلاؤها لاحقاً، آخر منطقة سيطر عليها الجيش الإسرائيلي حول قرية تبنيت.
هنا، بالتزامن مع إعلان وقف إطلاق النار، تم تحديث “المعقل الجديد لوجودنا” – وهو مجمع تحت الأرض تابعة لقوة بدر التابعة لحزب الله، حيث المقر الإقليمي للحزب، ويبدو أن عشرات الإرهابيين يتحصنون فيه.
قبل أسبوع تم وصف هذه النقطة بأنها حاسمة وأنها اختبار مهم لإرادة إسرائيل؛ إذ يجب على الجيش الإسرائيلي استكمال مهمته في ضرب حزب الله وإرسال رسالة تقول بأنه لا مزيد من التنازلات للعدو.
أما الآن، فنادراً ما يذكر هذا الأمر، لأنه كما كان متوقعاً، أعلن ترامب نهاية للأمر، ولم تعد المواجهة الحاسمة تبنى ضمن خطط الرئيس.
بشكل عام، تلتزم حكومة إسرائيل الصمت نسبياً بشأن توقيع الاتفاق الذي لا يتوافق مضمونه تماماً مع تصريحات الوزراء العدائية.
ما يسمح به ترامب لإسرائيل في هذه المرة، على الأقل في الوقت الحالي، هو بقاء قوات الجيش الإسرائيلي في الأراضي المتبقية.
ولكن مرة أخرى، يعتمد استمرار هذا الوضع على حالة العلاقات المتوترة بينه وبين نتنياهو.
ما هو مقدار الصبر والاهتمام الذي سيتحلى به الرئيس لتنفيذ الاتفاق ومطالبة حكومة بيروت بالوفاء بالتزاماتها ضد حزب الله؟ وما هو هامش المناورة الذي سيعطى للجيش الإسرائيلي في حالة استمرار الهجمات على قواته في جنوب لبنان؟يتيح الاتفاق الجديد فرصة لتحسين الأمن على الحدود مع لبنان.
من الجيد توقف القتال هناك، فقد خلفت الأحداث المتعددة، لا سيما عجز الجيش الإسرائيلي عن إيجاد رد فعال على هجمات الطائرات المسيرة المفخخة التي يشغلها حزب الله عبر الألياف الضوئية، خسائر فادحة في الأرواح، في مرحلة بدت فيها أهداف القتال مقطوعة عن الواقع.
مع ذلك، سيخضع الاتفاق للاختبار في تنفيذه حسب جدول زمني ومتطلبات محددة، وفي مسألة أخرى حاسمة من وجهة نظر إسرائيل، وهي مدى استعداد سكان البلدات في المنطقة الشمالية للعودة إلى بيوتهم في ظل استمرار تسلح حزب الله وانتشار عناصره قرب أراضي إسرائيل، وأن لم يكونوا في مواقعهم على طول السياج الحدودي مثلما كانوا عشية 7 أكتوبر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك