يعكس تثبيت قوات الاحتلال الإسرائيلي خياماً عسكرية في منطقة تل المغر، غربي قرية عابدين بمنطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي، استمرار ترسيخ الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب السوري.
وجاء ذلك بالتزامن مع إطلاق نار كثيف وتحليق مكثف للطائرات المسيّرة، في تحرك يندرج ضمن سياسة فرض وقائع ميدانية جديدة على طول الشريط الحدودي مع الجولان المحتل، ويحمل رسالة سياسية تتجاوز حدود المنطقة إلى المشهدين الإقليمي والدولي.
وتأتي هذه التطورات في منطقة تعد من أكثر المناطق حساسية في الجنوب السوري، إذ تقع قرية عابدين ضمن شريط جغرافي يجاور الجولان المحتل ووادي اليرموك والحدود السورية الأردنية، كما يضم محيطها سد عابدين الذي يشكل أحد أهم مصادر الري للأراضي الزراعية في عدد من قرى الحوض، ما يمنحها أهمية استراتيجية تتجاوز بعدها العسكري إلى أبعاد اقتصادية وزراعية.
ووفقاً لما أفاد به مراسل تلفزيون سوريا، فإن قوات الاحتلال توغلت خلال ساعات الليل إلى منطقة تل المغر، حيث نصبت عدداً من الخيام في الموقع، في خطوة تشير إلى إنشاء نقطة تمركز عسكرية جديدة، بعد أشهر من تعزيز انتشارها في مناطق متفرقة من ريفي درعا والقنيطرة.
وأوضح المراسل أن القوات الإسرائيلية أطلقت الرصاص الحي والقنابل المضيئة بصورة متواصلة في محيط التلة وعلى أطراف قرية عابدين، بالتزامن مع تحليق طائرات استطلاع مسيّرة في سماء المنطقة، الأمر الذي أثار حالة من القلق بين السكان، ولا سيما المزارعين الذين يعتمدون على الأراضي المحيطة بالتلة كمصدر رئيسي للدخل.
وأضاف أن الجنود الإسرائيليين واصلوا إطلاق النار باتجاه المزارعين أثناء محاولتهم الوصول إلى حقولهم الزراعية القريبة من تل المغر، ما أدى إلى عرقلة أعمالهم الزراعية وزاد من مخاوف الأهالي من اتساع نطاق القيود المفروضة على الحركة في المنطقة.
وتكشف هذه الخطوة عن استمرار نمط التحركات العسكرية الإسرائيلية داخل الجنوب السوري منذ سقوط نظام الأسد المخلوع نهاية عام 2024، حيث انتقلت إسرائيل من تنفيذ عمليات عسكرية محدودة أو ضربات جوية متفرقة إلى تثبيت نقاط عسكرية مؤقتة، وإقامة قواعد ميدانية، وتنفيذ دوريات متكررة داخل المناطق الحدودية.
لا تقتصر أهمية قرية عابدين على بعدها الحدودي، إنما ترتبط أيضاً بوقوعها في قلب منطقة زراعية تعد من أبرز مناطق إنتاج المحاصيل في حوض اليرموك، فضلاً عن قربها من سد عابدين الذي يغذي مساحات واسعة من الأراضي الزراعية بالمياه.
وتمنح السيطرة العسكرية أو فرض النفوذ حول هذه المواقع إسرائيل قدرة أكبر على مراقبة التحركات داخل المنطقة، كما تتيح لها امتلاك أوراق ضغط مرتبطة بالموارد المائية والزراعية، ضمن سياسة باتت تتكرر في أكثر من موقع جنوبي خلال الأشهر الماضية.
الباحث في الشؤون السياسية والأمنية رشيد محمود حوراني قال لموقع تلفزيون سوريا إن التحركات الإسرائيلية جنوبي سوريا تعكس بالدرجة الأولى حالة من القلق الأمني لدى إسرائيل، موضحاً أن استمرار التمركز العسكري بعد أكثر من عام على سقوط النظام المخلوع يؤكد أن هذه السياسة لم تعد إجراءات مؤقتة، وإنما أصبحت جزءاً من استراتيجية إسرائيلية ثابتة.
وأشار حوراني إلى أن الجيش الإسرائيلي كان قد سيطر قبل نحو أسبوع على تلة أبو قبيس في ريف القنيطرة، قبل أن ينسحب منها لاحقاً، معتبراً أن سياسة التقدم ثم التراجع تعكس محاولة لإظهار مرونة القوات الإسرائيلية وديناميكيتها الميدانية، إلى جانب توجيه رسائل ردع للأطراف المختلفة.
وأضاف أن أحد أبرز أهداف الانتشار الإسرائيلي يتمثل في إحكام السيطرة على الموارد المائية في الجنوب السوري، لافتاً إلى أن خريطة انتشار القوات الإسرائيلية منذ نهاية عام 2024 تظهر اهتماماً واضحاً بالمواقع المرتبطة بالمياه والسدود، في إطار ممارسة ضغوط غير مباشرة على الدولة السورية.
ويرى حوراني أن إسرائيل تعتمد في ذلك على ما يعرف بحروب الجيل الخامس، التي تقوم على ممارسة الضغوط الاقتصادية والخدمية والسياسية بدلاً من خوض مواجهات عسكرية مباشرة، بحيث تتحول الموارد الطبيعية إلى أدوات ضغط طويلة الأمد.
ولفت إلى أن توقيت التحرك الإسرائيلي لا ينفصل عن التطورات السياسية الأخيرة، إذ جاء بعد جلسة مجلس الأمن الخاصة بسوريا في 22 من حزيران الحالي، والتي شهدت مواقف متقاربة من عدد من الدول، بينها فرنسا وروسيا والدنمارك والبحرين وباكستان، أكدت خلالها رفض الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية واعتبارها عاملاً يهدد استقرار المنطقة.
وبحسب حوراني، فإن التحركات الميدانية الإسرائيلية يمكن قراءتها أيضاً بوصفها رسالة رفض للمواقف الدولية التي انتقدت عملياتها داخل سوريا، ومحاولة لتأكيد أن تل أبيب ستواصل فرض معادلاتها الأمنية على الأرض بغض النظر عن المواقف السياسية.
هل تمهد إسرائيل لممر نحو السويداء؟وأثار التوسع الإسرائيلي الأخير تساؤلات بشأن ما إذا كان يشكل مقدمة لإنشاء ممر يصل من الجولان المحتل باتجاه محافظة السويداء، هو ما عبر عنه عدد من الأهالي في درعا تواصل معهم موقع تلفزيون سوريا، حيث تخشى العائلات من اجتياح إسرائيلي لمحافظة درعا يفضي إلى طردها من المنطقة مقابل إنشاء معبر يصل إسرائيل بمحافظة السويداء.
إلا أن حوراني يستبعد هذا السيناريو، مشيراً إلى وجود معطيات محلية ودولية تجعل تحقيقه أمراً بالغ الصعوبة.
وأوضح أن سكان الجنوب السوري والحكومة السورية يرفضون بصورة واضحة أي محاولة لتقسيم البلاد أو إنشاء مناطق نفوذ دائمة، وهو موقف جرى التعبير عنه في مناسبات عديدة، كما أن المجتمع الدولي لا يزال يؤكد تمسكه بوحدة الأراضي السورية، وهو ما انعكس أيضاً في قرار تمديد عمل قوات الأمم المتحدة" أندوف".
كما يرى أن التحركات العسكرية الإسرائيلية تحمل رسالة موجهة إلى تركيا أيضاً، في ظل تصاعد حدة التصريحات التركية المنتقدة للسياسات الإسرائيلية في سوريا والمنطقة، إذ تحاول إسرائيل إظهار قدرتها على التحرك بحرية في الجنوب السوري.
من جانبه، قال الصحفي والباحث السياسي فراس علاوي لموقع تلفزيون سوريا إن إسرائيل تسعى إلى توسيع حضورها العسكري والسياسي داخل سوريا من خلال فرض أمر واقع جديد على الحدود، مستفيدة من المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين.
وأوضح أن التصعيد الإسرائيلي يرتبط أيضاً بالأوضاع السياسية الداخلية في إسرائيل، إذ تلجأ الحكومة الإسرائيلية في كثير من الأحيان إلى رفع مستوى التوتر الأمني، خاصة في سوريا ولبنان، كلما واجهت أزمات داخلية أو ضغوطاً من أحزاب اليمين المتطرف.
وأضاف أن إسرائيل تحاول بعد الهدنة الأميركية الإيرانية تثبيت معادلة جديدة في محيطها الحيوي، تقوم على فرض وجود عسكري يمنحها هامشاً أكبر للتأثير في مستقبل العلاقة مع الحكومة السورية، دون أن يعني ذلك رغبتها في احتلال مساحات واسعة من الأراضي السورية.
وأشار علاوي إلى أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لا تزال تستحضر تداعيات هجوم السابع من أكتوبر، وتسعى إلى منع تكرار أي تهديد مشابه عبر إنشاء نطاق أمني عازل يمنع اقتراب أي تشكيلات عسكرية أو استخباراتية من الحدود.
واعتبر أن الحديث عن إنشاء ممر آمن يصل إلى السويداء لا يستند إلى معطيات واقعية في المرحلة الحالية، لأن تنفيذ مثل هذا المشروع يتطلب عملية عسكرية واسعة النطاق، وهو أمر لا يتوافق مع الاستراتيجية الأميركية الهادفة إلى استقرار المنطقة، كما أنه يصطدم بالمواقف التركية والخليجية الداعمة لاستقرار سوريا، فضلاً عن إدراك إسرائيل لمخاطر التوغل العميق داخل الأراضي السورية.
ورغم أن التحركات الحالية لا تشير إلى عملية عسكرية واسعة، فإن آثارها المباشرة بدأت تظهر على حياة المدنيين، ولا سيما المزارعين ورعاة الأغنام الذين أصبحوا يواجهون صعوبات متزايدة في الوصول إلى أراضيهم، وسط إطلاق نار متكرر وتحليق دائم للطائرات المسيّرة.
ويرى علاوي أن استمرار هذا الواقع سيؤدي إلى حالة من القلق وعدم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في مناطق التدخل الإسرائيلي، خصوصاً في ريفي درعا والقنيطرة، حيث يعتمد قسم كبير من السكان على الزراعة وتربية المواشي كمصدر رئيسي للرزق.
وحول خيارات الحكومة السورية في مواجهة التصعيد الإسرائيلي، يرى علاوي أن المسار الدبلوماسي يمثل الخيار الأكثر واقعية في المرحلة الحالية، من خلال تكثيف الاتصالات مع الولايات المتحدة والدول التي تمتلك قنوات تواصل مع إسرائيل، ومن بينها تركيا والإمارات، بهدف الحد من التصعيد ومنع تحوله إلى واقع دائم.
وأضاف أن دمشق تستطيع أيضاً استخدام ملف التفاهمات الأمنية كورقة ضغط سياسية، عبر التأكيد أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية سيجعل أي ترتيبات مستقبلية أكثر تعقيداً.
أما على المستوى المحلي، فلا يستبعد علاوي ظهور أشكال من المقاومة الشعبية في المناطق الحدودية، حتى وإن لم تكن مرتبطة بشكل مباشر بالحكومة السورية، معتبراً أن استمرار الوجود الإسرائيلي قد يدفع بعض المجموعات المحلية إلى تنفيذ عمليات تستهدف رفع كلفة هذا الوجود وإرباك حساباته.
وبينما تواصل إسرائيل تعزيز انتشارها العسكري في نقاط متفرقة من الجنوب السوري، تبدو منطقة حوض اليرموك وأرياف القنيطرة مرشحة للبقاء في صدارة المشهد خلال المرحلة المقبلة، في ظل تمسك تل أبيب بفرض واقع أمني جديد على الحدود، مقابل تمسك دمشق بوحدة أراضيها، ورفض محلي ودولي لأي تغيير دائم في الجغرافيا السورية.
وبين هذين المسارين، يبقى المدنيون في قرى الحوض وأرياف القنيطرة الطرف الأكثر تضرراً، مع استمرار القيود الأمنية وتزايد المخاوف من أن تتحول التحركات العسكرية المؤقتة إلى وجود طويل الأمد يفرض وقائع جديدة على الأرض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك