سمعة الدول تشبه سمعة البشر؛ فهي تتراكم عبر الزمن، وتؤثر في فرص النجاح وبناء الثقة.
وكما هو معروف، فإن سمعة الأردن الخارجية تعد من مصادر قوة الدولة، بما تمثله من استقرار واعتدال وانفتاح وقدرة على بناء الشراكات.
لذلك، فإن التحديات التي تظهر في بعض التقارير الدولية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها إدانة، بل كفرص لتحسين السياسات، خصوصاً عندما تكون المعالجة ممكنة بإصلاحات بسيطة وغير مكلفة.
اضافة اعلانومن بين هذه التحديات تصنيف الأردن في تقرير العبودية الحديثة، الذي أشار إلى وجود مؤشرات مقلقة مرتبطة ببعض أوضاع العمل، وخاصة بين العمالة الوافدة (المهاجرة).
ولا يعني ذلك أن الأردن يتبنى العبودية أو يشرعنها، لكنه يلفت الانتباه إلى أن بعض السياسات والممارسات القائمة قد تسمح بحدوث انتهاكات عمالية جسيمة، قد تقترب في بعض الحالات من مؤشرات العمل الجبري أو الاستغلال الشديد، التي تندرج في إطار العبودية الحديثة.
ومن موقع المهتمين بسياسات العمل وحقوق الإنسان، نرى أن تعديلات محدودة على سياسات تنظيم العمالة غير الأردنية يمكن أن تعزز الصورة الإيجابية للأردن، وتحمي العمال، وتنظم سوق العمل في الوقت ذاته.
فالمشكلة لا تكمن بالضرورة في قانون العمل وحده، إذ يمنح القانون العامل، من حيث المبدأ، حق إنهاء عقد العمل في حالات محددة، بما في ذلك عدم دفع الأجور أو التعرض لانتهاكات جسيمة.
لكن هذا الحق يصبح محدوداً عملياً عندما يرتبط تصريح العمل بصاحب عمل محدد، وترتبط الإقامة القانونية للعامل بتصريح العمل.
هذا الترابط يحول النزاع العمالي من خلاف تعاقدي عادي إلى مسألة تتعلق بالإقامة والوضع القانوني للعامل.
فقد يجد العامل المهاجر نفسه مهدداً بفقدان إقامته أو بالغرامات أو بالتوقيف أو بالتسفير إذا ترك العمل أو حاول تغيير صاحب العمل، حتى عندما يكون ترك العمل مبرراً.
وهنا تنشأ علاقة تبعية غير متوازنة، تجعل العامل أقل قدرة على تقديم الشكوى أو المطالبة بأجره أو مغادرة بيئة عمل مسيئة.
لقد أدركت عشرات الدول في العالم خطورة هذه الإشكالية، وقامت بإصلاحات في سياسات العمالة المهاجرة، وخاصة ما يتعلق بنظم الكفالة أو ما يشبهها.
واتجهت هذه الإصلاحات نحو توسيع حرية العامل في تغيير صاحب العمل في القطاعات الاقتصادية المسموح لهم العمل فيها، وتقليل ارتباط وضعه القانوني بصاحب عمل واحد، وتوفير فترات انتقالية لتصويب الأوضاع، وتسهيل تقديم الشكاوى بلغات متعددة.
لذلك، فإن أهم تعديل يمكن للأردن البدء به هو فك الارتباط بين إذن الإقامة وتصريح العمل، بحيث لا يؤدي انتهاء علاقة العمل أو نشوء نزاع عمالي تلقائياً إلى فقدان الإقامة القانونية.
كما ينبغي منح العامل فترة انتقالية آمنة للبحث عن عمل آخر في القطاع المسموح له بالعمل به، أو تقديم شكوى أو تسوية النزاع من دون تهديد بالتوقيف أو الإبعاد.
إلى جانب ذلك، من الضروري إعادة تنظيم بلاغات التغيب أو ما يطلق عليها" فرار" عن العمل لمنع استخدامها كأداة ضغط، وتوفير المساعدة القانونية والترجمة للعمال المهاجرين، وتوسيع الحماية للعاملين في المنازل والزراعة، وضمان ألا يتحمل العامل تبعات مخالفات تقع أصلاً على صاحب العمل.
إن تحسين موقع الأردن في التقارير الدولية لا يتحقق بالاعتراض عليها فقط، بل بإغلاق الثغرات التي تستند إليها.
وتعديلات بسيطة كهذه يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً في حماية العمال، وتنظيم سوق العمل، وتعزيز صورة الأردن وسمعته الدولية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك