تحول ملف حذف المواطنين من بطاقات التموين إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل داخل مجلس النواب المصري، بعدما كشف النائب تامر عبد القادر عن حذف نحو 850 ألف مواطن من بطاقات الدعم السلعي، في وقت شن فيه عدد من النواب هجوماً حاداً على الحكومة، متهمينها بحرمان آلاف الأسر من دعم الخبز والسلع الأساسية بسبب مخالفات إدارية أو محاضر تتعلق بالبناء أو الكهرباء أو الزراعة، رغم زوال أسبابها.
وتأتي الأزمة بينما تستعد الدولة لإعادة هيكلة منظومة الدعم بالكامل، والتحول تدريجياً من الدعم السلعي إلى الدعم النقدي.
توصية بوقف الحذف وفتح التظلماتوانتهت لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب، في اجتماعها اليوم الأحد، إلى توصية واضحة بوقف حذف المواطنين من بطاقات الدعم السلعي استناداً إلى تلك المخالفات، وفتح باب التظلمات لفترة تتراوح بين شهر وشهرَين، مع تشكيل لجنة لفحص الطلبات، وإطلاق قوافل تجوب المحافظات لتلقي التظلمات وإعادة المستحقين إلى منظومة الدعم.
جاءت المناقشات في توقيت بالغ الحساسية، بعدما وافق مجلس النواب نهائياً الأربعاء الماضي، على الموازنة العامة الجديدة وخطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، في وقت تؤكد فيه الحكومة مضيها في تنفيذ خطة التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي أو شبه النقدي، باعتبارها أحد أبرز محاور إعادة هيكلة منظومة الحماية الاجتماعية، وهو ما أثار مخاوف من أن تتزامن عملية التحول مع تقليص أعداد المستفيدين من الدعم عبر تشديد معايير الاستحقاق.
نواب: لا يجوز معاقبة المواطن مرتينوقال وكيل لجنة الشؤون الاقتصادية ورئيس الاجتماع، النائب أيمن محسب، إن" الدعم حق دستوري لا يجوز حرمان أي مواطن منه بسبب ارتكابه مخالفة سبق أن عوقب عليها"، مؤكداً أن" ما يحدث يمثل عقوبة مزدوجة تتعارض مع مبادئ العدالة، وأن المواطن لا يجوز أن يعاقب مرتين على الفعل نفسه"، وأضاف أن" اللجنة ستتابع تنفيذ توصياتها حتى إعادة المواطنين المستحقين إلى منظومة الدعم"، مشدداً على أن الدولة تحتاج إلى المواطن، وأن احترام حقوقه الدستورية يجب أن يكون أولوية، مع ضرورة توفير آليات تظلم واضحة وسهلة تضمن التعامل مع المواطنين باحترام.
وقال النائب تامر عبد القادر خلال الاجتماع إن محافظة الوادي الجديد الحدودية وحدها شهدت حذف أعداد كبيرة بصورة وصفها بـ" العشوائية"، رغم أن كثيراً من المخالفات يمكن تقنينها أو جرى بالفعل تقنينها.
وأشار إلى أن طبيعة المحافظة التي تقع على امتداد الصحراء غرب مصر وحدودها الجغرافية وظروف سكانها تختلف عن المحافظات الأخرى، وإن وزارة التموين لم تراعِ الأبعاد الإنسانية والاجتماعية، مطالباً بإرسال قوافل ميدانية لاستقبال التظلمات وإعادة المواطنين المستحقين.
وأضاف: " هؤلاء المتضررون فلاحون بسطاء يعيشون على الحدود الغربية ويحرسون حدود مصر، فلماذا يُحرمون من الدعم التمويني"، مؤكداً تأييده الكامل لتنقية منظومة الدعم من غير المستحقين، لكن من دون الإضرار بالأسر الفقيرة.
مخاوف من فقدان المستحقين للدعممن جانبه، انتقد النائب أحمد العرجاوي ما وصفه بغياب التنسيق بين وزارات الكهرباء والتموين والتنمية المحلية، مؤكداً أن بعض المواطنين فوجئوا بحرمانهم من الخبز والدعم بسبب محاضر كهرباء أو مخالفات بناء لم يكونوا على علم بها، أو بعد أن سددوا الغرامات وقننوا أوضاعهم.
وقال إن" استمرار حرمان هؤلاء المواطنين من الدعم يتناقض مع توجهات الدولة في توفير الحماية الاجتماعية"، مضيفاً أن" رغيف الخبز لا يجوز أن يتحول إلى أداة للعقاب"، ومطالباً بإعادة النظر في منح الضبطية القضائية لبعض الجهات إذا كانت نتائجها تمتد إلى حرمان الأسر من الدعم الغذائي.
بدوره، قال النائب محمد الشويخ إن المواطنين أصبحوا" يدورون بين المحليات والكهرباء والتموين"، بحثاً عن حل يعيدهم إلى منظومة الدعم، بينما يظل المواطن البسيط هو الخاسر في النهاية، مؤكداً أنه تلقى نحو ألف شكوى خلال ساعات قليلة من مواطنين جرى حذفهم من بطاقات التموين.
وأضاف أن بطاقة التموين تمثل بالنسبة لملايين المصريين الوسيلة الأساسية للحصول على الخبز والسلع المدعمة، مطالباً بوقف ما وصفه بالتعسف في مواجهة المواطنين، ووضع نظام واضح وعادل للتظلمات.
وأوضح ممثل وزارة التموين خلال الاجتماع أن الوزارة ليست الجهة التي تقرر حذف أو إضافة المواطنين، وإنما تنفذ قرارات تصدرها لجنة العدالة الاجتماعية، مشيراً إلى أن باب التظلمات مفتوح بالفعل عبر منصة" مصر الرقمية" منذ 14 يونيو/حزيران مضيفاً أن" المواطنين الذين شملهم الحذف بسبب مخالفات البناء أو الكهرباء لن يحتاجوا إلى تقديم تظلمات إذا صدر قرار بإلغاء هذه الأسباب كأساس للحذف، إذ سيجري إعادتهم تلقائياً إلى منظومة الدعم".
غير أن عدداً من النواب اعترضوا على هذا الطرح، مؤكدين أن مكاتب التموين في المحافظات لا تستقبل المواطنين بصورة كافية، وأن كثيراً من المتضررين لا يستطيعون تقديم التظلمات أو متابعة طلباتهم.
وتأتي الأزمة، بينما تدخل الحكومة المرحلة الأخيرة من إعادة هيكلة منظومة الدعم، إذ أعلنت مراراً اعتزامها الانتقال من الدعم السلعي إلى الدعم النقدي أو شبه النقدي، بحيث يحصل المستفيد على قيمة مالية أو رصيد إلكتروني بدلاً من صرف السكر والزيت والسلع التموينية بالأسعار المدعمة، مع الإبقاء في المرحلة الحالية على دعم الخبز لحين استكمال الدراسات الخاصة به.
ويستفيد حالياً نحو 63 مليون مواطن من منظومة الخبز المدعم، بينما يستفيد نحو 61 مليون مواطن من بطاقات التموين، وتؤكد الحكومة أن الهدف من إعادة الهيكلة هو ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، ومنع تسربه إلى غير المستحقين، وتوجيه الموارد العامة بكفاءة أكبر.
وأظهرت المناقشات البرلمانية أن القضية لم تعد تقتصر على شكل الدعم، بل امتدت إلى معايير الاستحقاق نفسها، وسط مخاوف من أن تؤدي عمليات تنقية قواعد البيانات إلى خروج مستحقين فعليين من المنظومة، في ظل الضغوط المعيشية وارتفاع الأسعار.
لهذا ربط عدد من النواب بين وقف الحذف العشوائي وبين نجاح أي تحول مستقبلي إلى الدعم النقدي، مؤكدين أن بناء منظومة جديدة يتطلب أولاً استعادة ثقة المواطنين، ووضع آليات شفافة للتظلم، وضمان عدم فقدان الأسر الفقيرة حقها في الحماية الاجتماعية بسبب أخطاء إدارية أو قرارات لا تراعي ظروفها الاقتصادية والإنسانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك