خارج سياق الحروب، تستغرق التحولات السياسية الكبرى وقتاً طويلاً حتى تظهر آثارها.
كانت حماتي الراحلة، التي وُلدت في فينيتسا عندما كانت أوكرانيا لا تزال جزءاً من الإمبراطورية الروسية، تقول إن الثورة البلشفية احتاجت سنوات قبل أن تُحدث تغييراً ملموساً في الحياة خارج مراكز السلطة.
ولعلنا لا نبدأ في استيعاب التداعيات الكاملة لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي إلا مع الذكرى العاشرة للاستفتاء على" بريكست".
لقد أُعيد فرض القيود السابقة على التنقل والإقامة والعمل والتجارة عبر القنال الإنجليزي تدريجاً، وجاءت إجراءات التفتيش البيومتري المتقلبة على الحدود كواحدة من آخر الحلقات في هذا المسار.
وهكذا، تبدو المملكة المتحدة اليوم وكأنها قد عادت إلى حد بعيد إلى ما كانت عليه عام 1973، قبل انضمامها إلى ما كان يُعرف آنذاك بالجماعة الاقتصادية الأوروبية.
بل ويمكن القول إنها ترتد إلى ما هو أبعد من ذلك، على نحو يجعل ما عُرف بـ" الجيل الأوروبي" في بريطانيا يبدو أقرب إلى استثناء منه إلى قاعدة.
وفي هذه المقالة، التي تمثل آخر عمود منتظم أكتبه لصحيفة" اندبندنت"، أود إلقاء نظرة على ذلك الجيل، مع التساؤل في الوقت نفسه عما إذا كان من الممكن أن يظهر جيل آخر مماثل.
فقد تلقيت تعليمي المدرسي في أواخر خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ثم درست في الجامعة خلال سبعينياته، قبل أن أبدأ مسيرة مهنية شملت سنوات طويلة كمراسلة أجنبية، الأمر الذي قد يجعلني نموذجاً مثالياً لما سُمي الجيل الأوروبي في المملكة المتحدة.
غير أن السؤال يبقى: هل كان مساري المهني هو الذي رسم هذه الهوية، أم إن الأمر كان على العكس تماماً؟إن أبناء ذلك الجيل غالباً ما لا يدركون مدى تأثرهم بظلال ما كان يُشار إليه ببساطة باسم" الحرب"، رغم أنه نادراً ما نوقش بتفصيل.
(وكان والدي، الذي اختير شاباً أثناء دراسته للرياضيات في أكسفورد، للعمل على فك الشيفرات في بلتشلي بارك، فقد أُلزم بالحفاظ على السرية إلى أن كُشف عن دوره بعد عقود).
لكن والديّ كانا عازمين على استكشاف القارة التي أُغلقت عملياً في وجهيهما خلال شبابهما.
وتمثلت" عائدات السلام" بالنسبة إليهما في رحلات عائلية صيفية بالسيارة، بدءاً من ألمانيا الشرقية التي كانت شبه مغلقة آنذاك، حيث أمضى والدي وقتاً فيها بوصفه طالب زائر خلال عام 1939.
وكنا نقضي صباح أيام السبت في مشاهدة برنامج تعليم اللغة الألمانية للمبتدئين" كوم ميت" Komm mit (تعال معي) الذي كانت تبثه" هيئة الإذاعة البريطانية" (بي بي سي).
بالطبع، كان قيامنا برحلات برية طويلة بالسيارة في فصل الصيف امتيازاً متاحاً لقلة فقط، وأتاح ذلك لعائلتي مدخلاً ومعرفةً بأوروبا أكثر مباشرة مقارنة بالكثيرين من أبناء جيلي.
ومع ذلك، كان هناك طابع أوروبي واضح– ويمكن القول بأثر رجعي إنه تصالحي– في المناهج الدراسية، التي شملت تعلم اللغات، لا سيما الفرنسية والألمانية، وبرامج التبادل المدرسي، مع تشجيع مستمر على توسيع آفاق المعرفة والاستكشاف.
قبل انضمام بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي وظهور برنامج" إيراسموس"، كان السفر للخارج يتم في الغالب عبر العمل كمربية أطفال أو كمساعد تدريس، أو أحياناً من خلال منح دراسية لمن يسعفهم الحظ، لا عبر الدراسة الجامعية في الخارج أو الرحلات البعيدة.
ومع ذلك، أمضيت صيفاً في فيينا، وتنقلت في عطلات نهاية الأسبوع بين براغ وسالزبورغ، كما زرت أصدقاء في ألمانيا مراراً.
وهذا يقودني إلى جانب آخر، قد يبدو عارضاً لكنه دال، في ادعائي الانتماء إلى" جيل أوروبي".
ففي السنتين الأخيرتين من دراستي المدرسية، استقبلنا فجأة" نزيلة" جديدة، كانت مساعدة تدريس اللغة الألمانية في الكلية التي كان والدي مديراً لها، وقد جاء بها أحد الموظفين إلى باب منزلنا موضحاً أنها وصلت لتوها لتكتشف أن ترتيبات إقامتها قد ألغيت.
وكانت النتيجة أن أورسولا عاشت معنا في المنزل لمدة عامين، وباتت كأحد أفراد الأسرة، ومنذ ذلك الحين صرنا أنا وهي كالأختين، وخضنا معاً مرحلة الدراسة الجامعية، والعمل، والزواج، والترمل.
لكن التخفيف التدريجي للقيود على السفر، بما في ذلك افتتاح نفق القنال الإنجليزي - وهل يمكن تخيل مشروع مماثل اليوم؟ - كان أيضاً عاملاً أساسياً في التقارب الأوروبي المتزايد.
وشكل إطلاق قطار" يوروستار" لحظة مفصلية، عشية عملي مراسلة لصحيفة" اندبندنت" في باريس، إذ أتاح القيام برحلات يومية بين العاصمتين (لندن وباريس)، ثم جعل من الممكن السفر في يوم واحد بوسائل النقل العام من لندن إلى المنزل الذي سكنا فيه لمدة 10 سنوات في جنوب فرنسا.
وفجأة بدا أن أوروبا كلها قد انفتحت.
فالسفر إلى وجهات أخرى كان يتطلب عادة تأشيرات أو ساعات طويلة على متن الطائرات، بينما بدت أوروبا كأنها على عتبة الباب.
أختي، التي وقعت في حب جنوب إيطاليا كما وقعت في حب شاب إيطالي خلال إحدى رحلاتنا العائلية، تعيش اليوم في قريتها منذ أكثر من أربعين عاماً، وأصبحت أشد حماسة لكل ما هو إيطالي من كثير من الإيطاليين أنفسهم.
ولا أنسى ذلك اليوم الذي اعترفت فيه المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي بشهاداتهما على نحو متبادل، ما أضفى صفة رسمية تلقائية على شهادتها من جامعة كامبريدج وفتح أمامها أبواب العمل من دون الحاجة إلى إجراءات قانونية مكلفة.
وإذا نظرنا إلى أفراد عائلتي الآخرين على سبيل المثال، فلدي أقارب في عدة دول أوروبية وأصدقاء في العديد من الدول الأخرى.
كان تلك أوقات كان يمكن فيها للبريطانيين أن يكون لديهم أقارب في دول مجموعة الكومنولث القديمة أو في إيرلندا أكثر من وجودهم في قلب أوروبا.
هذا الوضع تغير، ويمكن القول إن عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي لم تكن مجرد سبب لذلك فحسب، بل كانت نتيجة للتوجه الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية نحو القارة الأوروبية، والذي اتخذ أشكالاً شخصية ومؤسساتية على حد سواء.
صحيح أن ما يُعرف بـ" الجيل الأوروبي" في بريطانيا قد يعكس شريحة أضيق وأكثر نخبوية مما أود الإقرار به، على الرغم من أن هذا ينطبق بدرجة أكبر بكثير على الطبقة المتميزة في الدول" الجديدة" والطامحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
لكن عدد البريطانيين الذين يمتلكون منازل ثانية، أو الذين انتقلوا بشكل دائم، أو يسافرون بانتظام إلى أوروبا يشكل شريحة مجتمعية كبيرة.
فالروابط عديدة وعميقة.
غير أن مؤشرات التحول بدأت بالظهور.
فبعض المقيمين البريطانيين في أوروبا عادوا بالفعل، فيما يثني آخرين عن الذهاب حجم الإجراءات الرسمية المطلوبة اليوم.
كما طرأ تغير على المناهج الدراسية، التي باتت، منذ سنوات، تركز بشكل بارز على الحرب العالمية الثانية (في حين أن منهج التاريخ الذي درسته كان ينتهي عند عام 1870).
كذلك، تراجع تعليم وتعلم اللغات الأجنبية في المدارس الحكومية، مع استبدال بعض اللغات الأوروبية في بعض المناطق باللغة الصينية (الماندرين).
ولأسباب متعددة، أصبحت الرحلات المدرسية تميل أكثر إلى الطابع السياحي أو الرياضي، بدل برامج التبادل اللغوي.
وكان هذا الاتجاه واضحاً قبل استفتاء" بريكست"، لكنه تسارع بعده، لتبدو أوروبا وكأنها تبتعد أكثر فأكثر عن الأفق.
وقد يُقال إن الاهتمام بالعالم الأوسع في هذا العصر قد يكون تطوراً إيجابياً مقارنة بالتركيز الضيق على أوروبا.
إلا أنني أرى أن معرفة الجيران الأقربين، وما يجمعنا بهم من إرث ثقافي، تظل ضرورية لفهم بلدنا ذاته.
بل إن ذلك قد يساعد المملكة المتحدة على تقبل موقعها في العالم بوصفها قوة متوسطة.
وقد بدت سنوات العضوية في الاتحاد الأوروبي وكأنها تدفع في هذا الاتجاه، حتى مع عودة الخطاب التقليدي بعد" بريكست" حول الرغبة في" القيادة"، رغم التحديات الحالية، لا سيما في ما يتعلق بالإنفاق الدفاعي.
ومن غير المرجح أن يكون من السهل عكس هذا المسار، وأخشى أن يقع عبء القرار على جيل جديد، لا سيما في ظل التغيرات الجارية في التعليم والعقبات المستجدة أمام العمل والسفر.
وربما تسهم خيبة الأمل المتزايدة إزاء ما تبقى من تبعات" بريكست"، إلى جانب احتمال الانكفاء الأميركي على المدى الطويل، في دفع المملكة المتحدة مجدداً نحو أوروبا، سواء ضمن الاتحاد الأوروبي أو من خلال صيغة ارتباط أكثر مرونة.
بغض النظر عما سيحدث، يبدو أنه من غير المرجح أن يغير ذلك حقيقة أن أبناء جيلي قد عاشوا فترة استثنائية، كانت بريطانيا خلالها أكثر أوروبية من أي وقت مضى في جميع النواحي تقريباً، أو أكثر مما قد تكون عليه في المستقبل القريب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك