تعرضت أوروبا الغربية هذا الأسبوع لموجة حر قاتلة وخانقة حطمت الأرقام القياسية وأودت بحياة المئات وأجبرت الملايين على التخلي عن عاداتهم اليومية.
والآن، مع قرب انطلاق التحقيق في حالة عدم الاستعداد الصارخة لهذه الموجة في القارة، بينما تتجه الكتلة الجوية شرقاً، يقول كبار العلماء إننا تجاوزنا حداً ما عاد خطر تغير المناخ بعده مستقبلاً مجرداً، بل أصبح" واقعاً ملموساً وحاضراً يخل بحياة الناس اليومية".
وكان أثر هذه الحالة مدمراً.
ففي فرنسا وحدها، سُجل ما لا يقل عن 55 حالة وفاة مرتبطة بموجة الحرارة، فيما تجاوزت درجات الحرارة 40 درجة مئوية في باريس.
وتوفي عدد من الأطفال بعد أن علقوا داخل السيارات بينما غرق العشرات أثناء محاولتهم تبريد أنفسهم، واكتظت المستشفيات في جميع أنحاء القارة بحالات مرضية مرتبطة بالحرارة، فيما وصف الأطباء الفرنسيون المشهد بـ" الكارثي".
وتأثرت البنية التحتية للنقل والسياحة تأثراً شديداً، في حين أغلقت آلاف المدارس أبوابها في جميع أنحاء القارة.
تقول الدكتورة سامانثا بورجيس، نائبة مدير خدمة كوبرنيكوس الأوروبية لتغير المناخ" نحن في مرحلة انتقالية يتحول فيها تغير المناخ من كونه مشكلة مستقبلية إحصائية مجردة إلى واقع ملموس وحاضر يخل بالحياة اليومية".
وتضيف" إنه حدث يُغلق مدرسة طفلك، ويوقف القطار الذي تحتاج إلى ركوبه، ويجبر مفاعلاً نووياً على التوقف عن العمل، ويمنعك من الخروج في أوقات معينة من اليوم.
في رأيي، لقد تجاوزنا هذه العتبة في أوروبا خلال السنوات الثلاث الماضية، والأدلة على ذلك دامغة".
كانت التساؤلات قد كثرت بالفعل حول فشل أوروبا في تطوير بنية تحتية قادرة على مواجهة الحرارة الشديدة، على الرغم من معرفتها منذ عقود بأن متوسط درجات الحرارة يرتفع بسرعة في أسرع قارة في العالم من حيث ارتفاع درجات الحرارة.
منذ ثمانينيات القرن الماضي، تشهد أوروبا ارتفاعاً في درجات الحرارة بلغ ضعف المتوسط العالمي، مما تسبب في خسائر للاتحاد الأوروبي بلغت 822 مليار يورو، بينما لقي 441 ألف شخص حتفهم وفقاً للوكالة الأوروبية للبيئة.
وقد سُجل ربع الخسائر المالية بين عامي 2021 و2024، في إنذار واضح بأن تأثير ارتفاع درجات الحرارة يتفاقم بسرعة.
وتقول الدكتورة بورجيس إن تأثير موجة الحر التي ضربت في شهر يونيو (حزيران) جاء نتيجة عقود من تشييد بنية تحتية لمناخ ما عاد له وجود.
وتضيف" ما نشهده ليس حدثاً استثنائياً يعصف بقارة غير مستعدة، بل هو تباين بنيوي بين بنية تحتية شُيدت لمناخ معين، في مقابل المناخ السائد فعلياً اليوم.
وهذه الفجوة تتسع عاماً بعد عام".
ووفقاً لها، فإن" الحلول معروفة" لكن" ما ينقصنا هو الإحساس بالحاجة الملحة لتنفيذها".
ارتفاع عدد الوفيات مع تزايد الضغط على البنية التحتيةفي جميع أنحاء القارة، اضطرت معالم ثقافية إلى الإغلاق، وأُلغيت فعاليات كبرى، وفُرضت قيود على الحياة اليومية.
طلبت شرطة باريس من منظمي الفعاليات الكبرى، بما في ذلك مهرجان سوليديز الموسيقي، إلغاء هذه الفعاليات.
وقال منظمو مهرجان" برايد" لمجتمع الميم إنهم سيؤجلونه حتى سبتمبر (أيلول).
وأعلنت السلطات الفرنسية حظر شرب الكحول في الأماكن العامة يوم الجمعة الماضي، وهو اليوم الذي كان من المقرر أن تلعب فيه فرنسا ضد النرويج في بوسطن ضمن مباريات كأس العالم لكرة القدم.
وتظل السلطات الصحية في حالة تأهب قصوى، مع الارتفاع الحاد في الحوادث المرتبطة بالحرارة.
وقال ويلفريد ساموت، المتحدث باسم رابطة أطباء غرف الطوارئ في فرنسا" إن التأثير على الصحة النفسية للعاملين في مجال الرعاية الصحية هائل.
إنها كارثة".
وفي وقت سابق من الأسبوع، نصب برج إيفل ومواقع أخرى في باريس محطات لرش رذاذ الماء، في محاولة من السلطات لتقليل المخاطر على السياح.
كما أغلقت شركة الكهرباء الفرنسية، عملاق الطاقة المملوك للدولة، عدة مفاعلات نووية كإجراء احترازي التزاماً بالضوابط البيئية الصارمة المفروضة على محطات الطاقة النووية.
وفي ألمانيا، وفي مثال واحد على تأثير موجة الحر في البنية التحتية للنقل، أدى ارتفاع الحرارة مساء الخميس إلى انتفاخ سطح الطريق السريع A2 في شرق البلاد وتمزقه عبر عدة مسارات، بحسب صحيفة" بي زد" BZ.
وأسفر ذلك عن تضرر نحو 30 مركبة، وإصابة شخصين بجروح طفيفة، فضلاً عن إغلاق الطريق.
يمكن للحرارة الشديدة أن تتسبب في تمدد حراري وتشوهات، مما يعني أن السكك الحديدية قد تنثني والطرق قد تذوب أو تلين، مما يؤدي إلى فرض قيود على السرعة وحدوث أعطال واضطرابات كبرى في شبكات النقل.
في المملكة المتحدة، حيث يتوفر التكييف فقط في 40 في المئة من مترو الأنفاق والقطارات في العاصمة، كشف تحقيق أجرته" اندبندنت" أن الحرارة تصل إلى 39.
4 درجة مئوية تحت الأرض.
وأعلنت خمس مؤسسات طبية اليوم عن حالة الطوارئ، وكان آخرها مستشفى" رويال ديفون وإكستر" الذي أعلن أن الحرارة الشديدة والرطوبة تؤثران على قدرته على تقديم الخدمات.
وأبلغت الوكالة الأوروبية للبيئة" اندبندنت" أن حوالي 16 ألف مدرسة أوروبية تشهد درجات حرارة تزيد عن 30 درجة مئوية خلال العام الدراسي ومن المتوقع أن يرتفع هذا العدد بشكل حاد.
على أوروبا إجراء تغييرات جذرية لمواكبة الواقع الجديديوم الجمعة الماضي، قالت مجموعة" وورلد ويذر أتربيوشن" World Weather Attribution التي تضم علماء مناخ إن موجة الحر الحالية كانت" مستحيلة عملياً" لولا التغير المناخي الناجم عن النشاط البشري، الذي زاد من احتمال ارتفاع درجات الحرارة ليلاً هذا الأسبوع بمقدار 100 ضعف مقارنة بما كان عليه الحال قبل عقدين فقط.
وتقول الوكالة الأوروبية للبيئة إن اشتداد الحرارة" يدفع البنية التحتية إلى تجاوز حدود قدرتها على التحمل من ناحية تصميمها".
ومن الآن فصاعداً، يتعين على الحكومات الأوروبية إجراء تحسينات جذرية لإنشاء بنية تحتية قادرة على التكيف مع تغير المناخ بوتيرة أسرع بكثير.
ويقول العلماء إن موجة الحرارة التي ضربت هذا الشهر قد كشفت عن ضرورة الاستعجال في ذلك.
وقالت الوكالة الأوروبية للبيئة" يجب إعادة تصميم الطرق والسكك الحديدية ومنظومات الطاقة والمباني أو تحديثها لتتحمل درجات حرارة أعلى".
وأضافت الوكالة أن الاعتبارات المناخية يجب أن تكون في صميم تخطيط المدن، وذلك من خلال توسيع المساحات الخضراء، والحد من الجزر الحرارية الحضرية، وإعادة تصميم المدن لتكون أكثر قدرة على تحمل الإجهاد الحراري.
ويمكن أن تشكل زيادة المساحات المشجرة أحد هذه التدابير، وهو إجراء اعتمده عمدة لندن صادق خان، الذي حدد هدفاً لزيادة غطاء الأشجار بنسبة 10 في المئة عن المستويات الحالية بحلول عام 2050.
وفي جميع مجالات التخطيط والاستثمار الأخرى، يجب أن تحتل المخاطر المناخية مكانة مركزية ضمن الاعتبارات.
وإلا فسيؤدي عدم القيام بذلك إلى تكرار مشاكل الماضي؛ أي التمسك ببنية تحتية هشة غير قادرة على تحمل درجات الحرارة المرتفعة، مما يؤدي بالتالي إلى زيادة التكاليف على المدى الطويل.
كما يجب توسيع نطاق خطط الصحة المتعلقة بالحرارة، حسبما تقول الوكالة الأوروبية للبيئة، لضمان حماية الفئات الضعيفة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك