في ملعب إيه تي آند تي في أرلينغتون، تكساس، وأمام مباراة الأردن والأرجنتين بكأس العالم التي انطلقت أمس عند الخامسة صباحاً بتوقيت عمّان، رفع مشجعون أردنيون لافتات تقول بالإنكليزية We sold our camel for these tickets، أي" بعنا جملنا لنشتري هذه التذاكر".
الجَمَل في اللافتة يرتدي شماغاً أحمر ونظارة شمسية، ويحمل بدوره لافتة صغيرة كتب عليها Worth it: أي" الأمر يستحق".
فازت الأرجنتين 3-1، لكن صورة الجَمَل خرجت من المباراة بحياة أطول من النتيجة، وهذا ما نتوقعه دائماً، لأن هذا الكائن المستأنس منذ سبعة آلاف عام ظل سيداً على طرق الحرير والتوابل والبخور، هو ذاته الذي صار مادة استشراقية ترمز للعربي الذي أطره المستشرق في عالم ساحر صحراوي غير عقلاني وبدائي، وصولاً إلى الإرهابي.
من بعيد تبدو الصورة مرحة، ومن قريب ملتبسة.
قد تكون نكتة خفيفة عن جنون أسعار التذاكر وكلفة الحلم المونديالي، أو استدعاءً بريئاً لرمز عربي مألوف.
وربما لم يفكر المشجعون في كل هذا أصلاً.
لكن الرموز، حين تدخل ملعباً عالمياً وتدور أمام كاميرات مهووسة بكل تفصيل، لا تحمل نية أصحابها وحدها، بل أرشيفها أيضاً، وهذا الأرشيف له خاصية التشكل في ملفات تاريخية ضخمة، وفي سلوكيات مجتمعية تظهر وتختفي، وتضمر وتكشف تنميطات عنصرية مختلفة.
الجَمَل، في المونديال تحديداً، ليس وافداً جديداً على المدرجات.
قبل أربعة وأربعين عاماً، وفي طريق منتخب عربي آخر إلى كأس العالم، ظهر الجَمَل في صورة أكثر خشونة.
يوم العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول 1981، وفي ملعب ماونت سمارت في أوكلاند، رفع مشجعون نيوزيلنديون لافتة في وجه منتخب الكويت تقول Go back to your camels أي" عودوا إلى جمالكم".
كانت هذه اللافتة حكماً ثقافياً كاملاً وسهل الاستدعاء لمن يعد أقل حتى من عدو يحارب.
قالت اللافتة" عودوا إلى صحرائكم، إلى تخلفكم، ليس لكم أن تلعبوا لعبة كرة قدم صنعتها الحاضرة الإنكليزية".
فهم الشيخ فهد الأحمد الجابر الصباح (1945-1990)، رئيس الاتحاد الكويتي لكرة القدم، ما يجري بطريقة مختلفة.
لم يلجأ إلى عرض الصور الحديثة التي تؤكد الوجود البشري الكويتي والعربي عموماً بتضاريس شاسعة جغرافية وتاريخية وبسكانه المئة وثمانين مليوناً وقتذاك.
ما فعله هو واتحاده أن جعل الجمَل تميمة للمنتخب، وأطلقوا عليه اسم" هيدو"، وحملوه إلى مونديال إسبانيا الشهير عام 1982، وعليه فإن هذا الرمز لنا، ونحن نحدد معناه، ونحن نعلم أن الغرب بما هو استعمار حداثي، فإن أحد أهم تمظهراته إطلاق الاسم وإطلاق الصفة.
فما لم يمر من أمامي أنا المستعمر فلا اسم له.
أنا أسمّي الأشياء، وأصفها.
أنا الذي يجعل الجمل صفة عربية تحط من قدره.
فازت الكويت 2-1 في أوكلاند، وتأهلت إلى أول مونديال في تاريخها.
بات الرمز الذي أُريد له أن يزدري جزءاً من حكاية الانتصار.
غير أن الجَمَل لم ينتظر الكويتيين عند بوابة الملعب فقط.
قبل أن يصل إلى إسبانيا، كانت الصحافة الإسبانية قد أعدّت له حوض الماء.
في فبراير/شباط 1982، قبل انطلاق المونديال بأشهر، نشرت" إل باييس"، أشهر صحيفة إسبانية، مقالاً عن بلد الوليد، المدينة التي كانت ستستضيف مباريات منتخب الكويت، بعنوان لافت" الكويتيون، ملك ميداس لبلد الوليد".
إذن الملك ميداس في الأسطورة الإغريقية هو الذي يلمس أي شيء فيتحول إلى ذهب.
لم تكن الكويت في ذلك الخيال منتخباً آسيوياً قادماً إلى كأس العالم فقط، بل وعداً مالياً وفولكلورياً في آن واحد، زوار تتساقط منهم الدولارات، مطاعم تبحث عن وصفات عربية، نكات عن ورش لإصلاح الأزياء التراثية، بل عن إقامة" أحواض لسقاية الجمال".
وتورد العديد من وكالات الأنباء والصحف قصصاً عن الجَمَل الذي جاء إلى إسبانيا من ميناء طنجة، وأنه استُخدم قبل سنوات في تصوير فيلم" الرسالة"، الصادر عام 1976، وأخرجه مصطفى العقاد، ثم أُهدي بعد البطولة إلى حديقة حيوان مدريد.
من أوكلاند إلى مونديال أميركا لا نعاين هذه الصور في التو واللحظة دون أن نرجع إلى الخزان البصري الطويل، والمعرفي كذلك الذي حدد تصوره عن العربي فصار من غربه يستشرق، وصولاً إلى ذروة طموحاته أن يتولى العربي وظيفة سمّيت" الاستشراق الذاتي".
في القرن التاسع عشر، رسم جان-ليون جيروم وديلاكروا وفروم وعشرات غيرهم جملاً جاهزاً للنظر إليه، أو بالأحرى مذعناً لاصطياده وتأطيره تنويعة جمالية أو التهامه.
ولم يكن غريباً أن تظهر لوحة جيروم الشهيرة" ساحر الأفاعي" على غلاف الطبعة الأولى من كتاب إدوارد سعيد" الاستشراق"، هذا هو صبيٌ عارٍ، ورجال جالسون في خدر، وفضاء مغلق، وعين غربية ترتب المشهد ثم تزعم أنها تصفه، وليس شرطاً أن يكون الفنان موجوداً في هذا الشرق، بل يشتغله هناك في باريس وغيرها.
الجمل مادة استشراقية ترمز للعربي الذي أطره المستشرق في عالم ساحر صحراويثم جاءت هوليوود لتحوّل اللوحات إلى أفلام.
في كتابه" الصورة الشريرة للعرب في السينما الأميركية"، يتتبع الناقد السينمائي الأميركي من أصل لبناني جاك شاهين (1935-2017)، هذا الأرشيف البصري الهائل، فيصل إلى الحقيقة التالية: السينما الأميركية لم تخترع الصورة النمطية للعربي من العدم، بل ورثتها وزخرفتها.
هنا صحراء، وقصور فاسدة، وأسواق قذرة، ولحى خنجرية، وسيوف معقوفة، وحريم، شيوخ أثرياء، عرب يمتطون الجمال، يختطفون النساء، أو يتحولون لاحقاً إلى إرهابيين.
هكذا صار الجَمَل جزءاً من عدة جاهزة.
من هنا يأتي التباس لافتة المشجعين الأردنيين" بعنا جملنا لنشتري هذه التذاكر" التي أثارت انزعاج فريق من الأردنيين، ما كشف ارتباكاً أعمق.
الفريق الذي رآها دعابة بريئة، والآخر الذي رآها إساءة لصورة الأردن والعرب، وهذا الأخير اعتبر اللافتة غير مناسبة في لحظة تسعى فيها الدول إلى تقديم نفسها حديثة ومتطورة.
المفارقة هنا أن من يرفع الصورة النمطية مبتسماً قد يقع في الاستشراق الذاتي، ومن يرفضها فقط خوفاً من نظرة الغرب قد يقع في استشراق ذاتي آخر.
في الحالين، يصبح الغرب مرجعاً وحكماً لديه صافرة: إما نضحكه بما يتوقعه منا، أو نخاف أن يرانا بالصورة التي صنعها هو لنا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك