القدس العربي - مرصد حقوقي تونسي يحذر من استعمال شعار «مكافحة الفساد» لابتزاز رجال الأعمال القدس العربي - «طفولة مسلوبة» تقرير لمنظمة حقوقية إسرائيلية: عدد الأطفال والفِتية الذين قتلتهم إسرائيل في الضفة الغربية هو الأعلى منذ 1967 Independent عربية - الجيش الإسرائيلي يقتل فتى فلسطينيا في الضفة الغربية القدس العربي - لبنان أمام اختبار خطير بعد هبوب عاصفة سياسية حول «اتفاق واشنطن» العربية نت - إيران ترد على ماكرون: إزالة الألغام في هرمز شأن سيادي القدس العربي - مبعوثا ترامب إلى الدوحة لاحتواء التصعيد… وطهران: الوساطة حول هرمز والأصول المجمّدة Independent عربية - العراق وسوريا يوسعان دائرة العلاقات في مجالات مختلفة Euronews عــربي - الاتحاد الأوروبي يفرض رسوماً على الطرود الصغيرة للحد من الواردات الصينية Independent عربية - العراق يمهل الفصائل "الإيرانية" حتى الـ30 من سبتمبر لتسليم سلاحها وكالة سبوتنيك - خبير: ستكون حرية الإعلام الممارسة في سوريا عالية جدا
عامة

خريف البطريرك: حين يكتشف الطاغية أن العالم لا يحتاجه

جريدة المغرب
جريدة المغرب منذ 1 ساعة

" لقد شعر بالاكتئاب عندما اكتشف فجأة أن كل شيء قد وجد أخيرامكانه في العالم. . كل شيء باستثنائه. . هو فقط لم يعد له مكان. " (غابرييل غارسيا ماركيز – خريف البطريرك) ليست هذه العبارة مجرد مشهد أدبي في ...

" لقد شعر بالاكتئاب عندما اكتشف فجأة أن كل شيء قد وجد أخيرامكانه في العالم.

كل شيء باستثنائه.

هو فقط لم يعد له مكان.

" (غابرييل غارسيا ماركيز – خريف البطريرك) ليست هذه العبارة مجرد مشهد أدبي في رواية جميلة، بل تختزل في جوهرها مأساة تتكرر بأشكال مختلفة عبر التاريخ: مأساة السلطة حين تنزلق من كونها وظيفة سياسية إلى وهم وجودي.

فالمستبد، في لحظة سقوطه، لا يكتشف أنه فقد الحكم فحسب، بل يصطدم بحقيقة أشد قسوةومرارة: أن العالم الذي توهّم انه يدور حوله قد واصل سيره من دونه، وأن التاريخ لم يتوقف لحظة انتظارا لقدومه، إنها لحظة انكشاف متأخرة لوهم تأسيسي: أن فردا واحدا يمكن أن يُختزل فيه وجود وطنٍ بأكمله.

الطغيان بوصفه احتكارا للمعنى الحقيقة، إن الطغيان، في جوهره، ليس مجرد احتكار للسلطة، بل هو قبل ذلك احتكارللمعنى: يتكوّن وعي الطاغية لا من ذاته وحده، بل من منظومة تُحكم الإغلاق حوله: إعلامٌمطبّل يكرر يومياإنتاج صورته، وحاشية فاسدة لا ترفع له الا ما يرضي سلطته، ومصالح لا ترى في الحقيقة قيمة بقدر ما ترى في القرب من الحاكم غنيمة، وهكذا لا يصل إليه من المجتمع إلا ما تمّت تنقيته مسبقا، ولا يسمع إلا صدى صورته.

لكن الأخطر من ذلك أن هذا الوعي لا يُفرض عليه من الخارج فقط، بل يجد في نفسيته تربة خصبة: غرور مؤسس على تضخيم الذات، واستعداد نفسي لتصديق فكرة التفوّق والاستثناء، وحتى القداسة.

وهكذا لا تكون الدعاية مجرد خطاب خارجي، بل توافقا خفيا بين ما يُقال له وما يريد أن يصدّقه عن نفسه.

ومع الزمن، لا تعود الدعاية موجّهة للجمهور فقط، بل ترتدّ إلى مصدرها: فالحاكم الذي صُمِّم حوله خطاب “الضرورة” و“الاستثناء” يبدأ في استبطانه، فيتبدّل موقعه من فاعل سياسي إلى قناعة وجودية: أنه ليس مجرد حاكم، بل شرط لبقاء الدولة نفسها.

عندها يتكرّس أخطر أشكال الوعي السلطوي: اختزال الوطن في شخص، والمؤسسات في إرادة، والتاريخ في سيرة واحدة، عندها، أيضا، يصبح نقده تهديدا للوطن، ومعارضته مساسا بالدولة، لأن الحدود بينه وبينها قد تلاشت داخل وعي مشوّه لا يرى خارج ذاته.

ومن هنا تكتسب عبارة “أنا الدولة” معناها العميق، لا بوصفها جملة تاريخية منسوبة إلى لويس الرابع عشر، بل بوصفها خلاصة منطق السلطة المطلقة حين تُغلق على نفسها كل منافذ الحقيقة، فتجعل من الحاكم مرآة لا تعكس إلا صورته المضخمة.

الطاغية بوصفه أسيرًا لوهمه غير أن المفارقة الأشد قسوة أن الوهم الذي يصنعه الطاغية لإخضاع المجتمع لا يلبث أن يرتدّ ويبتلعه هو نفسه، فالذي بدأ مشروعا للسيطرة ينتهي سجنا للوعي.

ومع مرورالزمن، تضيق حوله دوائر الحقيقة، وتتسع دوائر الخوف والتملق، فلا يسمع إلا ما يطمئنه، ولا يرى إلا صورته مرتدة إليه من مرايا المديحوالقداسة، وهكذا، يصبح الطاغية أول ضحايا النظام الذي بناه، وأول أسير للوهم الذي صنعه بيديه.

وقد لفتت حنة آرندت(Hannah Arendt) إلى هذا البعد حين أوضحت أن الأنظمة الشمولية لا تعيد تشكيل المجتمع فقط، بل تعيد تشكيل إدراك الحقيقة ذاته: فحين تُقصى الأصوات الناقدة وينغلق الفضاء العام، لا يبقى للحاكم إلا صدى صوته، وحين يتحول الخوف إلى قاعدة عامة، تغدو الحقيقة نفسها غائبة خلف ضجيج الدعاية.

وهكذا لا يعيش المستبد في واقع البلاد، بل في واقع مصطنع صنعته السلطة والخوف معا.

ولذلك تكون صدمة النهاية عنيفة: لأنها ليست انتقالا من موقع قوة إلى ضعف، بل انتقالا من يقين مغلق إلى حقيقة عارية.

صناعة الزمن المزيّف كل طغيان يسعى إلى احتكار الزمن، لا الحاضر وحده، بل الماضي والمستقبل أيضا.

فيُعاد تأويل التاريخ، وتُصاغ الذاكرة الجماعية على مقاس السلطة، وتغدو صور الحاكم ورموزه وكأنها العلامة التي يبدأ منها الزمن الوطني، وتغدو صور الحاكم ورموزه كأنها العلامة التي يُؤرَّخ بها للبلاد، حتى ليُخيَّل أن الماضي لم يكن إلا تمهيدا لولادة حكمه، وأن التاريخ لم يبدأ إلا معه.

غير أن الزمن، بخلاف السلطة، لا يُحتكر، قد يُشوَّه مساره في الوعي، لكنه لا يتوقف ولا يخضع لإرادة أحد، فحين تضعف قبضة المستبد، يحدث انكشاف يشبه استعادة الواقع لذاته: يواصل الناس حياتهم، بأكثر سعادة، كأن ثقلا انزاح عن صدورهم، وتبحث المؤسسات عن توازن جديد، وتستعيد الحياة إيقاعها، بل حتى اللغة تتحرر تدريجيا من توترها ومن مفردات الخوف التي فرضها الاستبداد، وكأن البلاد استعادت قدرتها على التنفس بأريحية.

عندها يكتشف الطاغية أن ما ظنه زمنا خاصا به لم يكن سوى استثناء عابر، وأن التاريخ الذي حاول احتكاره ظل يمضي من دونه، وأن الزمن، في النهاية، لا يعترف بمن توهّم أنه يملكه.

الطغيان كعلاقة لا كفرد أدرك إتيان دو لا بويسي (Etienne de La Boetie) هذه الحقيقة حين كتبعنالطغاة انهم" لم يكونوا عظماء إلا لأننا راكعون.

" فالقوة التي تبدو مطلقة ليست خاصية في الحاكم بقدر ما هي نتاج علاقة اجتماعية تُنتج الخضوع وتعيد إنتاجه.

وما إن تتغير هذه العلاقة حتى يتبدد ما بدا راسخا، وتنكشف السلطة على حقيقتها: علاقةاجتماعيةمتوازنة، لا صفة كامنة في الحاكم.

بعبارة أخرى، الطاغية لا يستمد سلطته من ذاته، بل من بنية اجتماعية تُعيد إنتاج الخضوع، مؤسسات تُفرَّغ من معناها ومحتواها، ونخب تُؤثرسلامتها على الحقيقة، فتتحول من قوة نقدٍ يفترض أن تُقلق السلطة إلى جزء من آليات الصمت التي تحفظ استمرارها، ومجتمع يتطبع مع الطاعة حتى يغدو الاستبداد جزءا من النظام الطبيعي للأشياء.

لذلك، فإن ما يبدو قوة كامنة في الحاكم ليس، في جوهره، إلا أثرا لهذه البنية التي تصنع سلطته وتمنحها مظهر الضرورة.

وحين تبدأ هذه البنية في التشقق، ينكشف أن ما كان يُقدَّم بوصفه سلطة مطلقة لم يكن سوى توازن هشّ بين الخوف والطاعة.

ولذلك تتشابه نهايات الطغاة عبر التاريخ، على اختلاف الأزمنة والسياقات، لأن الذي يسقط في النهاية ليس الفرد وحده، بل البنية التي صنعت حوله وهم الضرورة، وأقنعت الجميع بأن وجوده شرط لوجود الدولة.

اكتشاف ما بعد السقوط في لحظة السقوط، لا ينهار النظام وحده، بل ينهار أيضا تصور المستبد للعالم، اذ يكتشف فجأة أن الناس لم يتوقفوا عن الحياة، وأن البلاد لم تكن تنتظر إشارته لتبدأ من جديد، وأن الزمن لم يكن معلقا باسمه كما كان يظن، وهنا تتجلى عبقرية ماركيز: فالمأساة ليست في فقدان السلطة، بل في اكتشاف أن السلطة لم تكن يوما شرطا لوجود العالم.

إن البطريرك لا يحزن لأنه فقد العرش، بل لأنه يكتشف أن العرش لم يكن مركز الكون أصلا، وأن التاريخ، الذي ظنه مرآة لصورته، لم يكن سوى نهر جار لا يعترف بأحد، يمضي في صمته القديم دون أن يلتفت إلى من حاولوا إيقافه.

وهم يتكرر ولا ينتهي لعل أعمق ما تكشفه تجربة الطغيان ليس قوة المستبد، بل هشاشة الوهم الذي يستند إليه: وهم أن فردا واحدا يمكن أن يختزل الحياة السياسية ويتحول إلى قدر أمة بأكملها.

فالطاغية الذي يتوهم أنه مركز التاريخ، والمجتمع الذي يقنع نفسه بأنه لا يستطيع العيش من دونه، يقعان في وهم واحد وإن من موقعين مختلفين: أحدهما يضخم ذاته حتى يختزل الوطن في شخصه، والآخر يصغّر قدرته على الفعل حتى يختزل الوطن في ضرورة ذلك الشخص.

ومن هذا التلاقي يولد الاستبداد ويعيد إنتاج نفسه.

غير أن الزمن يفنّد هذاالوهم، فحين ينقشع الغبار، يكتشف الجميع أن الدولة ليست شخصا، وأن التاريخ لم يتوقف، وأن الحياة واصلت مسارها بمجرد انكسار الحلقة التي حبستها طويلا.

وعندها يتجلى المعنى العميق الذي صاغه ماركيز في خريف البطريرك: ليست المأساة أن الطغاة يسقطون، بل أنهم يكتشفون متأخرين أن سقوطهم لم يكن حدثًا كونيا، بل تفصيلا عابرا في تاريخ أطول واهمّ منهم جميعا.

لكن الدرس لا يكتمل بسقوط الطاغية، بل يبدأ بعده: فإذا بقي الوهم الذي صنعه حيّا في العقول، فإن التاريخ لا يعيد الشخص نفسه، بل يعيد إنتاج الفكرة نفسها في وجه جديد.

فالطغيان لا يتكرر لأن الطغاة يتشابهون، بل لأن الأوهام التي تصنعهم لا تموت بسهولة، ولهذا، فإن تحرير المستقبل لا يبدأ بإسقاط المستبد، بل بتحرير الوعي من الحاجة إليه، فحين يكف الناس عن البحث عن مستبدّ يختصر الوطن، يستعيد الوطن نفسه، ويستعيد الزمن سيادته الهادئة، فالزمن، بخلاف السلطة، لا يحتاج إلى إذن أحد كي يمضي، في حال سبيله.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك