يمكن أن نقول أشياء كثيرة عن كرةالقدم ولكن لا شيء يثير مشاعرالفرح والحزن عند جلّ شعوب الكرة الأرضية كانتصار أو هزيمة في هذه اللعبة الفريدة.
كرة القدم ليست مجرد رياضة تتنافس فيها فرق من أجل الانتصار.
إنها أكثر منذلك بكثير.
إنها تشبه الحروب الناعمة.
فاللاعبون فوق الميدان يمثلون طموحات شعوب واستراتيجيات دول واستثمارات في الصورة وتنافس من أجل الهيمنة.
لقد كانت الرياضة احدى الأدوات الناعمة للحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي وكانت الألعاب الأولمبية ساحتها الأساسية، ثم أصبح الصراع على أشده بين الولايات المتحدة والصين ففي أولمبياد باريس 2024، أحرز كل من هذين البلدين 40 ميدالية ذهبية ولم تتفوق أميركا إلا بالعدد الاجمالي لميدالياتها ( 126 مقابل 91 للصين).
تروي لنا كرة القدم تنافسا آخر كاد ينحصر خلال قرن كامل بين كبريات دول أمريكا اللاتينية وأروبا الغربية التي استأثرت بكل الكؤوس: 12 لأوروبا و9 لأمريكا الجنوبية.
كل المؤشرات تفيد بأن هذه الهيمنة قد تستمر لسنوات قادمة ولكن ثمة أشياء بدأت تتحرك أهمها بروز القارة الافريقية كالمنطقة الثالثة، دون منازع، للعبة الشعبية الأولى في العالم.
لأول مرة يشارك 48 منتخبا في الأدوار النهائية عن الكنفدراليات الست للفيفا التي تضم 211 دولة ومنتخبا ( تضم الأمم المتحدة 193 دولة فقط ) وتتوزع هذه المنتخبات كالتالي: 16 من أوروبا 10 من افريقيا 9 من آسيا 6 من أمريكا الجنوبية 6 من أمريكا الوسطى والشمالية ودول الكراييب 1 من أوقيانوسيا بعد نهاية دور المجموعات انسحب 16 منتخبا: 3 من أوروبا: سكتلندا وتشيكيا وتركيا وفريق واحد من افريقيا.
تونس و 7 من آسيا، قطر والعربية السعودية والعراق وأوزباكستان والأردن رايران وكوريا الجنوبية.
وفريق واحد من أمريكا الجنوبية: الأوروغواي وفريق واحد من أوقيانوسيا: زيلاندا الجديدة وثلاثة فرق من أمريكا الوسطى والشمالية والكراييب: هايتي وكوروسيا وبنما.
ثلث الفرق غادرت المسابقة ولكن النسب كما رأينا متفاوتة جدا بين 10% لافريقيا و78% لآسيا ولو تمكنت الفرق الافريقية المترشحة من تحقيق نتائج جيدة في بقية السباق لكان واجبا على الفيفا مراجعة أكثر انصافا لتمثيل هذه القارة الصاعدة.
صحيح أن المراتب الأولى في مرحلة المجموعات ذهبت جلها إلي أوروبا (7) وأمريكا اللاتينية (3) وأمريكا الوسطى والشمالية (2) ولكن خمس منتخبات افريقية حصلت على المرتبة الثانية في مجموعاتها متقدمة في بعض الأحيان على فرق ذات بال في هذه اللعبة.
اللافت مقابل الحضور الافريقي القوي غياب دول كبرى ديمغرافيا واقتصاديا كالصين والهند واندونيسيا والفياتنام وباكستان والبنقلاداش وماليزيا وغيرها، فالقارة الصاعدة اقتصاديا وعلميا ودراسيا مازالت لم تتمكن من ترويض كرة القدم رغم الجهود، فالصين التي هزمت اليابان في كل شيء تقريبا تنهزم أمامها كرويا في التصفيات بصفة مذلة ذهابا بـ 7 مقابل صفر وايابا بـ 3 مقابل 1 بينما تمكنت القارة التي تشكو من صعوبات جمة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا من البروز ومن التميز أيضا وهي تستعد بوضوح لمنافسة الدول الكبرى كرويا في السنوات والعقود القادمة.
ينبغي أن نقف مليا أمام هذا النجاح الافريقي الأولي وأن نتمعن في أسبابه وفي الاستراتيجيات التي أدت اليه.
قد ينتصر فريق في كرة القدم بضربة حظ ولكن لا وجود للصدفة في مسار التميّز والتألق أو التراجع والانهيار، فالحظ قد يحدث في مقابلة أو اثنتين ولكنه لا يتكرر.
تتمتع كل الفرق الافريقية المتأهلة بميزة مشتركة: دفاع محكم وتضامن كبير ولعل منتخب الرأس الأخضر هو المثال الأبرز لهذه الروح المبنية على قاعدة: خير وسيلة للهجوم هي الدفاع وهي فلسفة «الكاتيناتشو» الايطالي زمن التفوق والبطولات.
الدفاع ليس مجرد ابعاد الكرة من المناطق الخطرة كما تفعل بعض الفرق بل هو تكتيك يمتص قوة المنافس ويعطل مسالك لعبه قصد مباغتته والانقضاض عليه وهذا يستوجب خصالا فنية وتكتيكية وبدنية عالية جدا.
وقد رأينا أيضا فرقا قادرة على صنع اللعب حتى ضد الكبار كالمغرب والكوت ديفوار ومصر وغانا والسينغال.
بعض هذه الفرق - مصر أساسا - تعتمد بصفة كبيرة على اللاعبين المحليين وبعضها الآخر يتكون جوهريا من اللاعبين المحترفين في البطولات الأوروبية أو الآسيوية ولكن في كل الحالات هنالك تخطيط مستمر لخلق المواهب في الداخل وتصقلها بعد ذلك في البطولات الوطنية أو في مراكز التكوين بالخارج مع استثمار واضح في البنية التحتية واستدامة الاستراتيجية واستقرار ولو نسبي في الاطار الفني.
في السابق كانت بعض الدول الافريقية تمتلك لا عبين من طراز عالمي كجورج وياه الليبيري ولكن هؤلاء اللاعبين كانوا يكتفون بأقل من الحدّ الأدنى مع منتخبات بلدانهم خوفا على أرجلهم كما يقال.
الجديد في افريقيا أن المنتخبات القوية تمتلك العشرات من اللاعبين المتميزين وقد أضحى حسن آدائهم مع فرقهم الوطنية شرطا من شروط بروزهم وارتفاع أسهمهم كما هو الحال في المنتخبات الأوروبية وأمريكا اللاتينية وهكذا تحولت المواهب الفردية إلى تكتيك جماعي يعتمد على التضامن والانخراط الكلي ضمن المجموعة وروحا انتصارية واضحة فوق الميدان.
التميّز في كرة القدم لا يعني ضرورة التميّز في بقية مجالات الحياة اقتصاديا وعلميا وثقافيا ولكن دون تخطيط ودون مواهب ودون تضامن ودون روح انتصارية جماعية يستحيل التميّز في أي شيء.
ذلك هو الدرس الافريقي المستفاد إلى الآن.
.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك