1- مدخل منهجيّ: تتنزّل المجموعة القصصيّة 'غرفة اللّيخيرو' للقاصّ والشّاعرعبد الله المتّقي، الصّادرة سنة 2026 عن دار خرّيف للنّشر والتّوزيع بتونس، في مائة صفحة، والمهداة لروح الشّاعر التّونسيّ محمّد الغزّي في سياق التّجارب الحداثيّة السّاعية إلى إعادة تشكيل جنس القصّة القصيرة جدّا وبنائه.
ويُعدّ المتّقي من الوجوه المرجعيّة الّتي أسهمت في تطوير هذا الجنس الأدبيّ بالمغرب والعالم العربيّ عبر مدوّنات سابقة منها ' لسان الأخرس'، و'الأرامل لا تتشابه'، و'الكرسيّ الأزرق'، و ' يعطيك دودة'.
تسعى هذه الدّراسة إلى رصد آليّات التّجريب بوصفه خيارا استراتيجيّا، واستنطاق مظاهر اللّعب السّرديّ كأداة لخلخلة القواعد التّقليديّة للقصّ.
2- سيمياءُ العنوان والغلاف: يمثّل العنوان عتبة نصيّة أولى مثقلة بالاحتمالات الدّلاليّة إذ تحيل لفظة 'اللّيخيرو (El Ligero) على معان متعدّدة منها: - البعد السّوسيو- ثقافيّ: الإشارة إلى نوع من أوراق التّبغ، أو اسم مكان لحيّ شعبيّ بمدينة العرائش المغربيّة ذات الأثر الموريسكيّ/الإسبانيّ.
- البعد الدّلاليّ/المهنيّ: اللّفظ الإسبانيّ المحيل على السّرعة والخفّة، أو دلالته على صانع السّاعات.
وتدعم القراءة السّيميائيّة للغلاف التّأويل الأخير أي صانع السّاعات نظرا لمركزيّة أيقونة السّاعة والزّمن في اللّوحة التّشكيليّة بواجهة الكتاب.
كما يتعزّز هذا الافتراض بوعي الكاتب عبر الهامش التّفسيريّ في القصّة الاستهلاليّة الّتي تحمل اسم المجموعة حيث وقع تشخيص اللّفظ وتحويله إلى عَلَمٍ: من خلال القول: " هام في المدينة بحثا عن غرفة المدعوّ اللّيخيرو".
إنّ هذا التّعدّد الدّلالي للعتبة يؤسّس لميثاق قراءة قائم على المتاهة، اللّعب، وخرق قواعد المتخيّل السّرديّ، وهو ما يدفعنا لطرح الإشكاليّة التّالية: ما هي الآليّات البنيويّة والأدائيّة الّتي تمظهر من خلالها اللّعب والتّجريب في المجموعة؟ وما هي أبعادها الجماليّة والميتاسرديّة؟ 3- التّشكيل البصريّ وهندسة الفضاء النّصّي: تقوم المقاربة البنيويّة للقصّة القصيرة جدّا على اعتبار البياض والتّوزيع البصريّ جزءا لا يتجزّأ من العمليّة الإنتاجيّة للدّلالة.
في 'غرفة اللّيخيرو'، يتمرّد عبد اللّه المتّقي على خطّية النّصّ المسترسل والمتّصل لفائدة نصّ مشذّر أو مقطّع ما يحوّل القراءة من تلقٍّ خطيّ سمعيّ إلى تلقٍّ بصريّ فضائيّ، وتظهر هذه الإستراتيجيّة في مستويات عدّة: أ- التّرقيم والتّقطيع الوظيفيّ: يتحوّل التّرقيم إلى ما يشبه الإيقاع النّفسيّ الذّاتيّ الذي لا يلتزم بالقواعد النّحويّة.
وقد ورد في صيغة أداة لتقسيم السّرديّة الواحدة إلى وحدات نوويّة، مستقلّة بنيويّا ومترابطة دلاليّا.
نجد ذلك في قصص مثل: ' يوميّات جارحة'، 'انسحاب'، و'خيانة' المقسّمة إلى ثلاث وحدات مرقّمة: (1، 2، 3)، وقصّة 'أعواد كبريت' (وبها أربعة مقاطع تشذيريّة).
هذا التّقطيع يكسر سرعة التّدفّق القصصيّ لصالح تكثيف لحظات التّأمّل لدى المتلقّي.
ب- التّوزيع القائم على الثّنائيّات والأنظمة اللّغويّة: يتجاوز القاصّ التّرقيم العدديّ إلى التّوزيع القائم على تباين الضّمائر، كما في قصّة 'انتقام' و'خاتمة' اللّتين بنيتا بصرّيّا ودلاليّا على تقابل الضّميرين (هو/ هِي)، ممّا خلق حوارا متوازيا بينهما.
كما يتجلّى اللّعب البصريّ في محاكاة الأجناس غير السّرديّة، كاستعارة بنية الرّسالة الخطيّة في قصّة 'رسالة' وعتبتها الاستهلاليّة النّمطيّة (عزيزتي.
)، أو استعارة التّقنيّات الحركيّة المشهديّة السّينمائيّة في قصّة 'شيء كالفانطاستيك' (المشهد الأوّل/ المشهد الثّاني).
ويصل هذا اللّعب البصريّ أوج تجريبه في قصّة 'مقهى اللّادويزا' حيث يعتمد الكاتب التّرتيب الأبجديّ (ألف، باء، جيم) لتأطير متواليّاته السّرديّة، محوّلا الحرف من وظيفته الصّوتيّة إلى وعاء هندسيّ يؤطّر المشهد القصصيّ.
4- الميتاسرد: يمثّل الميتاسرد، أو السّرد الواصف، أحد أبرز مظاهر التّحديث والتّجريب في المجموعة، حيث لا يكون النّصّ مجرّد مرآة تعكس الواقع، بل يصبح مرآة تعكس ذاته وآليّات إنتاجه.
وتتجلّى سطوة المؤلّف واختراقه لسلطة الرّاوي العليم عبر مستويات أسلوبيّة متعدّدة: أ- الانفجار الأجناسيّ: منذ النّصوص الأولى، يقع القارئ في شرك التّعرية السّرديّة، فالصّندوق الّذي تعثر عليه الشّخصية في قصّة 'غرفة اللّيخيرو' لا يحتوي أشياء ماديّة، بل ينفجر لتنبثق منه القصص القصيرة جدّا.
هنا يعلن النّص عن هويّته الأجناسيّة صراحة، ويجعل من عمليّة توليد الحكيّ ثيمة قصصيّة.
كما لو أنّ القاصّ يشير إلى القارئ بأنّه في حضرة عالم تخييليّ سرديّ محض.
ب- الخرق السّاخر للبناء السّرديّ: يتعمّد القاصّ تدمير منطق الحكاية عبر تداخل الفضاء الواقعيّ للمؤلّف مع الفضاء التّخييليّ للقصّ.
ويتّضح هذا في عدّة نماذج قصصيّة منها: - قصّة 'انقطاع': يتوقّف الحدث الدّراميّ بين العاشقين فجأة، لا لسبب دراميّ، بل لأنّ الرّاوي تأخّر عن سداد فاتورة الكهرباء، وهو تهكّم أسلوبيّ يكسر اندماج القارئ، وليذكّره بأنّ النّصّ مجرّد صناعة.
- قصّة 'إيجاز ': تمثّل ذروة الوعي النّقد- سرديّ حيث تحضر شرطة النّقد لتستجوب السّارد بناء على دعوى قضائيّة رفعتها الرّواية ضدّه بتهمة الإفراط في الإيجاز.
هذا التّناصّ مع المفاهيم النّقدية يرد في قفلة استعلائيّة: " ستقوم القيامة يوم يكتشف الإله سرّ القصّة القصيرة جدّا".
- قصّة 'اضطراب'، وقصّة 'ضياع': يتدخّل الكاتب لتفسير النّصّ وعرقلة التّأويل الحرّ بقوله: " المغزى من القصّة: الرّجل يعاني من اضطرابات نفسيّة"، أو يقتحم النّصّ مستخدما مصطلحات النّقد: " إلى حدّ هذه القفلة، ما زال ( الرّجل) لا يعرف".
ج- التّناصّ من خلال الاشتباك مع الذّاكرة الأدبيّة: تتحوّل الشّخصيّات التّراثيّة والعالميّة في قصص عبد اللّه المتّقي (شهريار، شهرزاد، كافكا، سيزيف) إلى أدوات للإسقاط على ما هو معاصر، وتفكيك المرجعيّة الكلاسيكيّة.
فالحكيّ يتوقّف في قصّة 'انهيار' بسبب إدمان شهريار على الفيسبوك، وينتهي فعل التّحرير الرّوائيّ في قصّة 'عطش' لأنّ الأبطال ماتوا عطشا قبل إتمام الرّواية.
إنّ هذه الأدوات الأسلوبيّة تحوّل الكتابة إلى ساحة للاشتباك التّناصيّ فتعرّي مختبر الكاتب، وتظهره بمظهر المايسترو المتحكّم بخيوط اللّعبة.
5- تداخل الخيارات الجماليّة ( الواقعيّ، الفانتازيّ، والانزياح اللّغويّ): ومن أبرز مظاهرها، أ- التّشظّي السّرياليّ والفانتازيّ: يراوح المتخيّل السّرديّ في المجموعة بين مرجعيّات واقعيّة مألوفة، وصدمات غرائبيّة وفانتازيّة تخلخل البنية المنطقيّة للقارئ.
ويتجلّى هذا الخرق الفانتازيّ عبر صور كاريكاتوريّة وسرياليّة صادمة نذكر منها: - التّقاطعات غير المنطقيّة: رجل يعود إلى ذاكرته لكنّه يعجز عن الخروج منها كما هو وارد في قصّة 'أقراص'، مواطنون يشاهدون رجلا يتقيّأ المدينة داخل كيس قمامة في قصّة ' قيء'، أو امرأة تستفرغ رجلا نرجسيّا في البالوعة في قصّة 'استفراغ'.
- اللّعب بثيمة الموت والمنطق الزّمنيّ: قتيل يجلس هادئا في المقهى ليطالع نبأ اغتياله في الجريدة في قصّة ' قتيل'، أو كاتب يستيقظ ليجد كائنا بشرياًّ قزما داخل جوربه في قصّة ' كتابة'.
ب- استدعاء الأسطورة: يتجلّى التجّريب في أبهى صوره عند إعادة قراءة الأساطير الإنسانيّة والتّراث الأدبيّ بنظرة تدميريّة ساخرة.
تتضح هذه الآليّة في قصّة ' تعطيل'، حيث يقع تجريد ' أسطورة سيزيف' من طابعها التّراجيديّ الفلسفيّ، فسيزيف المعاصر يحلّ أزمته الوجوديّة بواسطة أدوات حداثيّة (اقتناء كسّارات كهربائيّة لتفتيت الصّخرة)، في المقابل يتصرّف الإله 'زيوس' كمدير بيروقراطيّ معاصر يقطع التيّار الكهربائيّ لإدامة العقوبة.
إنّ هذا المزيج التّناصيّ السّاخر يعرّي أسس العصر الحديث وآليّاته الاستلابيّة.
ج- التّعدديّة اللّغويّة والانزياح الأسلوبيّ: على الصّعيد اللّغويّ، تمارس المجموعة اللّعب عبر مستويات متعدّدة حيث تنفتح الفصحى على تهجينات لغويّة مستعارة من الإسبانيّة والفرنسيّة، إلى جانب توظيف تعبيرات من العاميّة المغربيّة.
هذا التّنويع اللّسانيّ، مضافا إليه الاستخدام غير التّقليدي لعلامات التّرقيم وحروف العطف يجرّد اللّغة من وقارها الأكاديميّ المعهود وطابعها السّرديّ، ويقرّبها من لغة المسرح والسّينما، ما يمنح الجملة القصصيّة طاقة تفجيريّة قائمة على المفارقة.
6- الاستنتاجات: أفضت هذه الدّراسة لمجموعة 'غرفة اللّيخيرو' إلى الاستنتاجات التّالية: - تبنّي التّجريب كخيار بنيويّ لا شكليّ: بيّنت الدّراسة أنّ التّجريب واللّعب السّرديّ في قصص عبد الله المتّقي ليسا مجرّد تزويق شكليّ أو تجديد خارجيّ، بل هما إستراتيجيّة بنيويّة عميقة تهدف إلى إعادة النّظر في ميثاق القراءة التّقليديّ، وتقديم بدائل جماليّة حداثيّة تسهم في تطوير الوعي بجنس القصّة القصيرة جدّا.
- شعريّة الفضاء البصريّ: نجح الكاتب في تحويل التّقسيمات البصريّة إلى شفرات دلاليّة وجماليّة، فالأرقام والحروف والخطوات والتّقسيم القائم على الثّنائيات الضّمائريّة تحوّل النّصّ إلى أيقونة بصريّة، تمنح البياض وظيفة إنتاجيّة تجعل المتلقّي مشاركا في تشكيل البنية المعنويّة للقصّ.
- ترسيخ الوعي بالميتاسرد: أظهرت هذه الدّراسة كفاءة الكاتب العالية في توظيف السّرد الواصف (الميتاسرد) إذ تحوّلت الكتابة ذاتها إلى موضوع للكتابة.
من خلال تفكيك آليّات الحكيّ وتعرية المحترف الحكائيّ (عبر الخصومة مع الرّواية، ومحاكمة الإيجاز، واقتحامات المؤلّف)، تمكّن النّصّ من كسر القالب الواقعيّ الكلاسيكيّ، ووضع القارئ أمام وعي نقديّ حادّ بالإبداع القصصيّ.
- إنتاج دلالة المفارقة عبر التّهجين والأقنعة التّراثيّة: حققت المجموعة قفزة جماليّة من خلال المزاوجة بين الفانتازيّ/ السّرياليّ، والتّراثيّ/ الأسطوريّ، واليوميّ المعاصر.
إنّ استدعاء الرّموز الكبرى (سيزيف، شهريار، ديك الجنّ) إلى تفاصيل الحياة اليوميّة والتّقنيّة الرّاهنة (الكهرباء، الفيسبوك، الكسّارات) أتاح إنتاج خطاب نقديّ ساخر يتّسم بالعمق الرّمزيّ والمفارقة الصّادمة تجاه قضايا الإنسان المعاصر.
بقلم: محمّد بوحوش.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك