عمان- تشهد الساحة الإقليمية في الأيام الأخيرة تصاعدا لافتا في حدة التباين بين واشنطن وطهران بشأن ملف مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في منظومة الطاقة العالمية.
اضافة اعلانوبينما تصر الولايات المتحدة على ضمان حرية الملاحة وعدم فرض أي قيود أو رسوم على حركة السفن، تتمسك إيران برؤيتها التي تربط إدارة المضيق باعتبارات سيادية وأمنية واقتصادية في آن واحد، ما يعكس عمق الهوة بين الطرفين.
ويأتي هذا التضارب في التصريحات في وقت تتكثف فيه الاتصالات والتحركات الدبلوماسية خلف الكواليس، وسط ترقب واسع لاجتماع مرتقب في العاصمة القطرية الدوحة اليوم الثلاثاء.
ويُنظر إلى هذا الاجتماع بوصفه محطة اختبار حقيقية لمدى إمكانية تضييق الفجوة بين الموقفين أو على الأقل إدارة الخلاف ضمن إطار تفاوضي أكثر انضباطا.
وعلى الرغم من سقف التوقعات المرتفع، فما تزال المؤشرات توحي أن ملف مضيق هرمز لا يُعد من القضايا سهلة الحسم، نظرا لتشابك أبعاده الاقتصادية والأمنية والإقليمية.
ومن هنا يبرز السؤال المهم: هل يمكن لاجتماع الدوحة أن يفتح نافذة تسوية أم أنه سيكتفي بإدارة الأزمة وتأجيل انفجارها إلى جولات مقبلة؟ومن هنا، رأى الباحث والمحلل السياسي عامر السبايلة، أن الملف المطروح سيظل خلال الـ60 يوما المقبلة محورا رئيسا للنقاش، في ظل استخدام إيران له كورقة تفاوضية أساسية للحفاظ على موقع قوي على طاولة المحادثات.
وأكد السبايلة أن طهران ستواصل على الأرجح، سياسة التصعيد قبيل الدخول في المفاوضات التقنية بهدف تعزيز أوراقها التفاوضية، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن هذا النهج لا يمكن أن يستمر فترة طويلة.
وأضاف أن التطورات الجارية تجعل من هذا الملف مادة أساسية للتفاوض بالنسبة لإيران، أكثر من كونه مسارا قابلا للاستمرار على المدى البعيد.
بدوره، أكد الخبير الأمني والإستراتيجي الدكتور عمر الرداد، أن تضارب التصريحات بين الولايات المتحدة وإيران يعد سمة بارزة لهذه الحرب منذ بدايتها، ما يعكس حالة من عدم الاستقرار في المواقف المعلنة من الجانبين.
وأوضح الرداد أن ملف المفاوضات التقنية المتعلقة بآلية فتح المضيق لا يبدو أنه سُيحسم بشكل نهائي في الوقت الحالي، مرجحا أن تشهد المرحلة المقبلة جولة جديدة من التفاهمات غير المباشرة أو الجزئية.
وأشار إلى أن ما يُتداول من تسريبات يفيد بإمكانية أن تكون المفاوضات المرتقبة مع الحرس الثوري الإيراني، الذي يمتلك التأثير الأكبر في هذا الملف وليس مع التيار الحكومي.
وأضاف أن هذا التباين في مستوى التمثيل قد ينعكس على نتائج اللقاء، لافتا إلى أن طهران تبدو مستعدة مبدئيا لبحث فتح المضيق مقابل شروط ومطالب أميركية في حين تبدي واشنطن بدورها استعدادا لتقديم بعض التنازلات أو الاستجابة الجزئية.
وشدد الرداد على أن نتائج اجتماع الدوحة المرتقب ستظل مرتبطة بشكل أساسي بطبيعة الطرف الإيراني المشارك، معتبرا أن الحرس الثوري هو الجهة الأكثر حسما في اتخاذ القرار داخل إيران.
من جهته يرى رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية الدكتور خالد شنيكات، أن الخلافات بين الولايات المتحدة وإيران تمتد إلى ملفات متعددة، وفي مقدمتها ملف مضيق هرمز الذي يشكل أحد أبرز نقاط التباين في الرؤى بين الجانبين.
واعتبر شنيكات أن واشنطن تصر على إبقاء المضيق مفتوحا وضمان حرية الملاحة البحرية دون فرض أي رسوم على السفن المارة، باعتباره ممرا دوليا لا يخضع لقيود مالية أو سيادية.
في المقابل، تتمسك طهران بإعادة تنظيم قواعد العمل في المضيق، انطلاقا من اعتبارها أنه يقع ضمن نطاق سيادي تشرف عليه إيران وسلطنة عُمان، ما يتيح فرض رسوم أو بدلات مختلفة على المرور، مثل رسوم الخدمات أو الحماية أو التراخيص.
وأشار شنيكات إلى أن الجانب الاقتصادي يشكل دافعا محوريا في الموقف الإيراني، إذ إن أي عوائد مالية محتملة من هذا المسار قد تصل إلى عشرات المليارات، هو ما تحتاجه طهران في ظل الضغوط الاقتصادية والدمار الناتج عن الحرب.
ولفت إلى أن السؤال المطروح على طاولة التفاوض يتمثل في إمكانية أن تقدم الولايات المتحدة بدائل اقتصادية، مثل دعم إعادة الإعمار مقابل التراجع عن فرض الرسوم، أو أن ترفض ذلك بشكل كامل.
وأضاف شنيكات أن من بين السيناريوهات المطروحة أيضا استمرار الضغوط الأميركية، بما في ذلك الخيار العسكري المحدود أو الضربات الموضعية التي قد تستهدف مواقع مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني والقوات البحرية المسيطرة على أمن المضيق، رغم إدراك واشنطن لصعوبة هذا الخيار وما يتطلبه من حسابات دقيقة.
وتابع أن هناك توجها غربيا آخر يتمثل في تقليل أهمية المضيق إستراتيجيا عبر إنشاء شبكات أنابيب بديلة لنقل النفط، وهو مشروع قد يستغرق عاما أو عامين، لكن من شأنه تقليص أهمية الممر تدريجيا في المعادلة الجيوسياسية.
وأكد شنيكات أن إيران قد تراهن في النهاية على ما وصفه بالصبر الإستراتيجي، في ظل حاجتها الماسة للموارد المالية، ما يجعل الملف مفتوحا على عدة احتمالات تفاوضية وأمنية متداخلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك