تبدو المسافة بين عالمَي فن الكتابة، والرياضة بمختلف أنواعها، بعيدةً، حتى إنه ليُخيَّل إلينا أنَّه من الصعوبة أن يجتمع هذان العالمان في شخصٍ واحد.
ربَّما ترسَّخ هذا البُعد منذ سنوات الطفولة، بفعل الصياح الذي كانت تُطلقه الأمّهات على أولادهنّ لكي يتوقَّفوا عن لعب الكرة ويعودوا إلى المنزل لمتابعة تحضير دروس الغد.
قلَّصت الجامعات الغربية هذه المسافة، إذ يمكن للمتفوّق في إحدى الرياضات، الذي يلعب في فريق الجامعة، أو فريق المدرسة قبلها، أن ينال منحةً تعليميَّةً في الاختصاص الذي يختاره.
تزامناً مع كأس العالم لكرة القدم، يحضرنا سؤالٌ عن وجود لاعبين أصبحوا بعد اعتزالهم كُتَّاباً، وهو سؤالٌ مُحرَّضٌ بوجود مثل هؤلاء بالفعل، وإن كان عددهم قليلاً، وخوضهم في المجالين المتطلِّبَيْن موهبةً أصيلةً متفاوتاً؛ إذ إنَّ العُمر الاحترافي للّاعب الرياضي قصير، ولا بُدَّ من حرفةٍ يمتهنها بعد اعتزاله، لا تكون التدريب بالضرورة، أو تخصُّصاتٍ رياضيةً أخرى كالتحليل أو التعليق.
مع الإشارة إلى أنَّ ما نقصده هنا بالكتابة ليس كتابة السيرة الذاتية المُجدية تجارياً، بسبب إقبال الناس على شرائها، والتي يكتبها كل الأشخاص المعروفين في المجالات كافَّة، ومنهم اللاعبون والمدربون الناجحون، الذين لا يكتبونها بأقلامهم، بل يستعينون بكُتَّاب متخصِّصين بكتابة السيرة، لا يُشار إليهم غالباً، بل يظلُّون محتجبين ككُتَّابِ ظِلّ.
أمام قلّة الأمثلة المعروفة، نلجأ إلى الذكاء الاصطناعي للمساعدة، فيفاجئنا بأسماء لاعبين شهيرين اعتزلوا في السنوات الأخيرة، لم نكن نعرف أنَّهم اتَّجهوا إلى الكتابة، ربَّما لأنَّهم لم يكتبوا أدباً تقليدياً، أي رواياتٍ أو قصصاً أو شِعراً، بل قصص أطفال، كما فعل كلٌّ من نجم تشيلسي السابق فرانك لامبارد، ولاعب مانشستر يونايتد ماركوس راشفورد، وهذا مفاجئ نوعاً ما.
أمَّا حالة قائد فريق روما التاريخي، فرانشيسكو توتّي، فيصحّ اعتبارها غريبة، إذ" أصدر كتباً فكاهيَّةً عن النكات التي قيلت عنه".
لكنْ هناك لاعبون احترفوا الكتابة بجدِّيَّة أكبر، مثل لاعب مانشستر يونايتد السابق ستيف بروس، الذي" ألَّف العديد من الروايات الرياضيَّة"، واللاعب والمدرب الإسباني بيب ميل، الذي" احترف كتابة روايات الغموض والإثارة"، وكذلك بطل كأس العالم 1986 مع الأرجنتين، خورخي فالدانو، الذي وضع كتباً توضح" فلسفته في كرة القدم"، مثله في ذلك مثل الإيطالي أرّيغو ساكي.
أما النجم البرازيلي سقراط، الذي عُرِف بعد اعتزاله بكونه طبيباً ومناضلاً معنيَّاً بمشاكل شعبه، فقد اتّجه إلى الكتابة الصحافية في المواضيع الاجتماعية والسياسية.
في ما يتعلَّق بالأمثلة المُكرَّسة المعروفة، لا داعي للابتعاد كثيراً لإيجاد أوَّلها، فهناك مثالٌ قريبٌ.
كان فوزي يمّين (1967) لاعباً محترفاً في فريق بلدته، السلام زغرتا، ولاعباً دولياً مع المنتخب اللبناني في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
مثَّلت الصعوبات الأمنية واللوجستية للّعب خلال سنوات الحرب الأهلية تحدِّياً، وكانت كبيرةً في بعض الأوقات، حتى أنَّ الفريق الشمالي اضطرَّ في إحدى المرات إلى الانتقال إلى الملعب في بيروت على متن طائرة مروحية تابعة للجيش اللبناني.
حقَّق لاعب خط الوسط مع فريقه غير المنافِس، والذي لا يلعب الآن ضمن فرق الدرجة الأولى في الدوري اللبناني، لقبه الرسمي الأول، إذ فاز بكأس لبنان في العام 1987.
بعد اعتزاله، حصل يمّين على درجة الدكتوراه في الأدب العربي، وأصبح أستاذاً جامعياً وشاعراً.
في رصيده حتى اليوم كتب نقدية وترجمات ودواوين شعرية عدَّة، منها" كلاب العزلة"، و" تضع كرسيّاً أمام الباب وتنتظر لتأتي الطريق"، و" الاستئناس بالعدم"، وقد روى تجربته الكروية في كتاب" استراحة بين شوطين" (منشورات المتوسط ـ 2022)، الذي يحمل عنواناً فرعياً يوحي للقارئ بأنَّه إيضاحي لمحتواه، هو" عن كرة القدم خلال الحرب اللبنانية 1975 ـ 1990"، لكنّ ذلك ليس دقيقاً، فسرد يمّين لا يبغي التأريخ، وهو ليس سرداً عمومياً، بل إنّ الخصوصية والتجربة الذاتية سمته الأولى.
عالمياً، الحالات قليلةٌ كذلك، لكنّ أحدها أصاب شهرة واسعة، ربّما ساهم فيها، إلى جانب موهبته السردية وصبره في بناء حبكاته التفصيلية، اعتزاله اللعب باكراً بسبب الإصابة.
نتحدَّث هنا عن النرويجي جو نيسبو (1960).
كان نيسبو يلعب في صفوف نادي مولده، أحد أندية الدوري النرويجي الممتاز، عندما أصيب في ركبته إصابةً قاسية.
مارس عدة أعمالٍ بعد الاعتزال، منها العمل في مجال الاقتصاد الذي درسه، إضافة إلى تطوير موهبته والعمل موسيقياً، قبل أن يحترف الكتابة ويتخصَّص في الروايات البوليسية.
في رواياته الشيِّقة والسميكة، يتتبّع المحقق هاري هول الجرائم التي تُرتكب في نطاق العاصمة أوسلو، التي توحي بأنَّها مدينة وادعة وآمنة، إلّا أن هذا لا يستثنيها من أن تكون مسرحاً لجرائم قتلٍ فظيعة، ترتبط بنشاطات عصابات المافيا الدولية، أو بوجود أحد القتلة المتسلسلين، أو حتى بحسابات وأحقاد شخصيَّة لمسجونين سابقين أرادوا الانتقام من رجال الشرطة الذين أوقعوا بهم.
تُرجِمت عشر روايات لنيسبو إلى اللغة العربية، منها" الألماس الدموي"، و" تصفية الخونة"، و" السكين"، كما حُوِّل بعضها إلى سيناريوهات أفلام، مثل" صائد الرؤوس" (2011)، و" رجل الثلج" (2017).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك