تطاول الإجراءات التقشفية صناعة الثقافة في تونس، التي تستعد للإعلان عن برمجة المهرجانات الكبرى، بعدما أبلغ البنك المركزي التونسي متعهدي الحفلات بتجاوز سقف احتياطي النقد الأجنبي المخصص لاستقدام الفنانين الأجانب لإحياء الحفلات الصيفية، الأمر الذي قد يؤدي إلى إلغاء بعض العروض المبرمجة.
وفي هذا السياق، أعلن متعهّدو الحفلات أن المهرجانات الصيفية وصناعة الثقافة ستخضع هذا الموسم لقرارات جديدة مرتبطة بالسياسة النقدية وبحرص الدولة على حماية احتياطها من العملة الصعبة.
وتشير معطيات تداولها ناشطون في صناعة الثقافة إلى أن البنك المركزي شدّد خلال الأسابيع الأخيرة شروط الموافقة على التحويلات المالية الخاصة بالتعاقد مع الفنانين الأجانب، ما دفع عدداً من إدارات المهرجانات إلى مراجعة برمجتها أو الاكتفاء بالفنانين التونسيين والعرب المقيمين داخل البلاد، تفادياً لتعطل الإجراءات أو رفض طلبات التحويل.
ورغم أن البنك المركزي لم يصدر بلاغاً عاماً بشأن المهرجانات، فإن هذا التوجه ينسجم مع السياسة التي ينتهجها منذ سنوات لترشيد استعمال النقد الأجنبي، في ظل محدودية الموارد وارتفاع الالتزامات الخارجية للدولة.
وفي السياق، قال متعهّد الحفلات أنيس فليس، في تصريح لـ" العربي الجديد"، إنه جرى تبليغ الناشطين في صناعة الثقافة بتجاوز السقف المحدد للعملة الصعبة المخصص لاستقدام الفنانين الأجانب لإحياء المهرجانات، مؤكداً أن هذا الإعلام جاء في وقت متأخر.
وأكد فليس أن الناشطين في القطاع الثقافي بدأوا فعلاً برمجة العروض والاتفاق على العقود مع بعض الفنانين، ما قد يؤدي إلى إلغاء الحفلات المبرمجة، مشيراً إلى أن المهنيين اقترحوا حلولاً تتمثل في تأجيل خلاص الفنانين إلى مفتتح العام المالي الجديد في سبتمبر/ أيلول المقبل.
وأضاف أنه من المهم جداً الحفاظ على صورة المهرجانات التونسية باعتبارها بوابة دولية للسياحة والثقافة، مؤكداً أن الفنانين الأجانب يساهمون في تنويع المنتوج الترفيهي.
ويعكس تشديد البنك المركزي التونسي إجراءاتِ تحويل الأموال إلى الخارج لفائدة المهرجانات اتجاهاً يمنح الأولوية للحفاظ على رصيد النقد الأجنبي، حتى وإن كان ذلك على حساب جزء من النشاط الثقافي الذي ظلّ لعقود إحدى أبرز واجهات تونس السياحية.
ويُعد احتياطي النقد الأجنبي أحد أهم المؤشرات التي تقيس متانة الاقتصاد، إذ يمثل المخزون الذي تعتمد عليه الدولة لتسديد وارداتها من الحبوب والطاقة والأدوية والمواد الأولية، إضافة إلى خدمة الدين الخارجي والتدخل عند الحاجة لدعم استقرار سعر صرف الدينار.
ووفق أحدث بيانات البنك المركزي التونسي، بلغ صافي الموجودات من العملة الأجنبية نحو 25.
3 مليار دينار (8.
7 مليارات دولار)، بما يغطي نحو 102 يوم توريد، وهو مستوى أفضل مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مدعوماً أساساً بارتفاع مداخيل القطاع السياحي وتحويلات التونسيين المقيمين بالخارج، اللذين أصبحا يشكلان شرياناً رئيسياً لتوفير العملات الأجنبية.
ورغم هذا التحسن، لا تزال السلطات النقدية تتعامل بحذر شديد مع أي تحويلات نحو الخارج، خاصة في ظل استمرار العجز التجاري الذي يتجاوز عشرة مليارات دينار، واعتماد الاقتصاد بشكل كبير على استيراد الطاقة والحبوب والمواد الصناعية، وهي واردات تستنزف جزءاً مهماً من احتياطي النقد الأجنبي.
وكشفت بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن العجز التجاري لتونس تفاقم خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026 ليصل إلى 10.
4 مليارات دينار (3.
5 مليارات دولار)، مقابل 8.
3 مليارات دينار (2.
8 مليار دولار) خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2025.
العجز التجاري في تونس (بالمليار دينار)أُنشئ هذا الرسم البياني بواسطة الذكاء الاصطناعيولا يُعد تشديد التحويلات الخاصة بالمهرجانات إجراءً معزولاً، بل يأتي ضمن سلسلة من السياسات التقشفية التي ينتهجها البنك المركزي منذ سنوات، شملت إحكام الرقابة على التحويلات بالعملة الأجنبية، وتشديد شروط تمويل بعض الواردات، والحد من استيراد عدد من السلع الاستهلاكية، فضلاً عن الإبقاء لفترات طويلة على نسب فائدة مرتفعة لمواجهة التضخم وتقليص الطلب الداخلي على السلع المستوردة.
وتثير الإجراءات التقشفية التي يفرضها البنك المركزي انتقادات من قبل الفاعلين في القطاع الثقافي، الذين يعتبرون أن الإنفاق على استقدام الفنانين العالميين لا يمثل استهلاكاً للعملة الصعبة بقدر ما يُعد استثماراً قادراً على تحقيق عائد اقتصادي أكبر، ذلك أن آثار الحفلات الكبرى لا تقتصر على بيع التذاكر، وإنما تنشّط منظومة اقتصادية واسعة تشمل الفنادق ودور الضيافة والمطاعم وشركات النقل ووكالات الأسفار والمؤسسات الأمنية وتقنيي الصوت والإضاءة وآلاف العاملين الموسميين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك