إيلاف من لندن: لم يعد الصيف ينتظر اليابسة كي يعلن قسوته.
هذه المرة جاء الإنذار من البحر.
فقد سجلت محيطات العالم في حزيران (يونيو) أعلى حرارة لهذا الشهر على الإطلاق، في مؤشر جديد إلى أن الكوكب يدخل موسماً شديد الاضطراب، حيث تلتقي حرارة المحيطات القياسية مع عودة ظاهرة النينيو وتفاقم الاحترار المناخي.
وبحسب بيانات خدمة كوبرنيكوس الأوروبية لتغير المناخ ومركز كوبرنيكوس البحري، بلغ متوسط درجة حرارة سطح البحر عالمياً في حزيران (يونيو) 20.
98 درجة مئوية، متجاوزاً الرقمين القياسيين السابقين المسجلين في 2023 و2024.
الأخطر أن الرقم لا يبدو حدثاً معزولاً.
فقد جاء بعد 6 أشهر من دفء شبه غير مسبوق في المحيطات خلال 2026، ترافق مع موجات حر بحرية طويلة، وارتفاعات استثنائية في مناطق واسعة خارج القطبين.
وفي 21 حزيران (يونيو)، تجاوزت حرارة سطح البحر خارج المناطق القطبية المستويات المرتفعة التي سُجلت في التوقيت نفسه من العامين الماضيين.
وتنقل «الغارديان» عن علماء قولهم إن محيطات العالم عاشت للتو أسخن يونيو في السجلات، وإن الأشهر المقبلة قد تحمل أرقاماً جديدة، لأن ذروة حرارة سطح البحار تأتي عادة في تموز (يوليو) وآب (أغسطس)، لا في يونيو.
ولا تكمن خطورة المحيط الساخن في الرقم وحده.
فالبحار الأكثر دفئاً تضخ رطوبة وطاقة إضافيتين في الغلاف الجوي، ما يزيد احتمالات العواصف العنيفة، والأمطار الشديدة، وموجات الحر البرية، واختلال أنماط الطقس.
كما تضرب الحرارة المرتفعة الشعاب المرجانية، وتربك هجرة الأسماك، وتضع النظم البيئية البحرية أمام ضغط قد يتجاوز قدرتها على التعافي.
ويأتي هذا التطور بينما تشهد أوروبا موجات حر قياسية، ومع توقعات بتعزز ظاهرة النينيو، وهي ظاهرة مناخية طبيعية ترتبط بارتفاع حرارة مياه وسط وشرق المحيط الهادئ، لكنها حين تأتي فوق قاعدة عالمية أكثر سخونة بفعل الانبعاثات، تتحول إلى مضاعف خطر.
وقال كارلو بونتيمبو، مدير خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ، إن استمرار حرارة المحيطات عند هذه المستويات، مع اقتراب النينيو، يجعل من المرجح تسجيل أرقام قياسية جديدة في الحرارة خلال الأشهر المقبلة.
وتقدم المحيطات الصورة الأوضح لاختلال ميزان الطاقة في الأرض.
فهي تمتص أكثر من 90% من الحرارة الزائدة في النظام المناخي، الناتجة في معظمها من حرق النفط والفحم والغاز.
ومعنى ذلك أن البحر لا يسخن سطحياً فقط، بل يختزن في أعماقه أزمة مناخية تتراكم ببطء، ثم تعود إلى اليابسة في صورة طقس أكثر تطرفاً.
وتشير تقديرات علمية أوردتها «الغارديان» إلى أن محتوى الحرارة في المحيطات بلغ العام الماضي 23 زيتاجول، وهي وحدة هائلة لقياس الطاقة، بما يعادل أكثر من ضعف متوسط العقدين السابقين.
وبلغة أكثر صدمة، تعادل الحرارة المضافة إلى المحيطات العام الماضي ما يقارب طاقة 11 قنبلة من نوع هيروشيما كل ثانية.
في 2023، وصف علماء أرقام حرارة المحيطات بأنها «مقلقة» و«مرعبة» و«خارجة عن التوقعات».
لكن الرقم الذي أثار القلق يومها جرى تجاوزه الآن.
وهذا ما يجعل يونيو 2026 أكثر من شهر حار في السجلات.
إنه علامة على انتقال المناخ إلى مستوى جديد من عدم اليقين.
وبينما تتركز الأنظار غالباً على درجات الحرارة في المدن والحقول والطرق، يقول البحر القصة الأعمق: الكوكب لا يسخن في الهواء فقط، بل في خزانه الحراري الأكبر.
وكلما ازدادت حرارة المحيط، ازدادت قدرة المناخ على إنتاج المفاجآت.
لذلك، لا يبدو الرقم 20.
98 درجة مئوية مجرد قراءة علمية باردة.
إنه جرس إنذار ساخن من قلب المحيط: الصيف لم يبدأ بعد بكامل قوته، لكن البحر سبق الجميع إلى تسجيل الخطر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك