قضت المحكمة العليا الأمريكية، الثلاثاء، بعدم دستورية الأمر التنفيذي الذي أصدره لتقييد حق المواطنة بالولادة، مؤكدة أن الأطفال المولودين على الأراضي الأمريكية لآباء يقيمون بصورة غير قانونية أو مؤقتة يتمتعون بحق الحصول على الجنسية الأمريكية بموجب الدستور.
وجاء القرار بأغلبية خمسة أصوات مقابل أربعة، في حكم يُعد من أبرز الأحكام المتعلقة بسياسات الهجرة في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، ويشكل ضربة لأحد أهم الوعود والسياسات التي تبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ملف الهجرة.
المحكمة: الدستور يضمن الجنسية للمولودين على الأراضي الأمريكيةخلصت المحكمة العليا إلى أن الأمر التنفيذي الذي وقعه ترامب عقب توليه ولايته الثانية يتعارض مع التعديل الرابع عشر للدستور الأمريكي، الذي ينص على منح الجنسية لجميع الأشخاص" المولودين أو المتجنسين في الولايات المتحدة والخاضعين لولايتها القضائية".
وكان ترامب قد أصدر أمرًا تنفيذيًا يقضي بعدم منح الجنسية تلقائيًا للأطفال المولودين في الولايات المتحدة إذا لم يكن أي من والديهم مواطنًا أمريكيًا أو مقيمًا دائمًا بصورة قانونية.
إلا أن هذا القرار لم يدخل حيز التنفيذ مطلقًا، بعدما أوقفت المحاكم الفيدرالية تطبيقه مرارًا.
ورفضت المحكمة العليا تفسير إدارة ترامب لعبارة" الخاضعين لولايتها القضائية"، التي استندت إليها الإدارة لتبرير حرمان أبناء المهاجرين غير النظاميين أو المقيمين المؤقتين من الجنسية الأمريكية.
وكتب رئيس المحكمة العليا جون روبرتس، في حيثيات القرار الصادر عن الأغلبية، أن" الأدلة التاريخية التي تدعم هذا التفسير شحيحة"، مضيفًا أن واضعي التعديل الرابع عشر لم يتركوا أي إشارة تفيد بنيتهم تقييد حق المواطنة بالولادة.
وأضاف رئيس المحكمة أن" المواطنة، في الماضي كما في الحاضر، كانت تعني الحق في امتلاك الحقوق والمشاركة بحرية في المجتمع السياسي"، مؤكدًا أن واضعي التعديل الرابع عشر" مدوا هذا الوعد إلى كل شخص يولد حرًا على هذه الأرض، ونحن نفي بهذا الوعد اليوم".
وصدر الحكم بأغلبية خمسة قضاة مقابل أربعة، فيما اتخذ القاضي بريت كافانو موقفًا جزئيًا، إذ عارض استنتاج الأغلبية بشأن مخالفة الأمر التنفيذي للتعديل الرابع عشر، لكنه رأى في الوقت نفسه أن القرار يخالف قانونًا فيدراليًا قائمًا، معتبرًا أن أي محاولة لتقييد حق المواطنة بالولادة تتطلب تشريعًا صريحًا من الكونغرس.
في المقابل، انتقد القاضي كلارنس توماس قرار الأغلبية بشدة، معتبرًا أن المحكمة اتخذت" خطوة استثنائية" بإبطال الأمر التنفيذي، وأن تفسيرها للتاريخ الدستوري الأمريكي" غير دقيق من الناحية التاريخية".
وكتب توماس، الذي انضم إليه القاضي نيل غورساتش، أن قانون الحقوق المدنية والتعديل الرابع عشر" لم يكونا يضمنان الجنسية للأشخاص الذين لم يكن لهم موطن دائم داخل الولايات المتحدة".
كما وصف القاضي صامويل أليتو حكم المحكمة بأنه" خطأ جسيم"، معتبرًا أن نص التعديل الرابع عشر يمنح الجنسية فقط للأطفال الذين" يدينون بالولاء الكامل والحصري للولايات المتحدة عند الولادة".
عقب صدور الحكم، وصف ترامب قرار المحكمة بأنه" سيئ بالنسبة للولايات المتحدة".
ودعا ترامب الكونغرس إلى التحرك لتشريع قانون ينهي العمل بحق المواطنة بالولادة، مؤكدًا أنه سيقدم للمشرعين" دعمه الكامل والشامل" إذا قرروا المضي في هذا الاتجاه.
إلا أن المحكمة ألمحت في قرارها إلى أن أي تشريع يصدر عن الكونغرس قد لا يكون كافيًا لتقييد هذا الحق الدستوري، فضلًا عن أن تمرير مثل هذا القانون يبدو صعبًا في ظل الأغلبية الضيقة التي يتمتع بها الجمهوريون داخل الكونغرس.
من جهتها، أعلنت وزارة العدل الأمريكية أنها" تحترم" قرار المحكمة العليا، لكنها أكدت استمرارها في ملاحقة من يحاولون استغلال ما وصفته بـ" الثغرات غير القانونية" للحصول على الجنسية الأمريكية لأطفالهم.
وكان ترامب قد أبدى اهتمامًا استثنائيًا بهذه القضية، إذ حضر جلسات المرافعات الشفوية أمام المحكمة العليا في أبريل الماضي، ليصبح أول رئيس أمريكي حالي معروف يحضر جلسة مرافعة أمام أعلى سلطة قضائية في البلاد.
كما سبق لترامب أن أعرب عن اعتقاده بأن المحكمة قد تصدر حكمًا ضده، خصوصًا بعد قرارها السابق الذي رفض إحدى سياساته المتعلقة بالرسوم الجمركية.
وكتب ترامب في مايو الماضي: " إن صدور حكم سلبي بشأن المواطنة بالولادة، إضافة إلى كارثة الرسوم الجمركية الأخيرة أمام المحكمة العليا، أمر لا يمكن للاقتصاد الأمريكي تحمله".
أكثر من ربع مليون طفل كانوا سيتأثرون سنويًاووفق تقديرات صادرة عن معهد سياسة الهجرة ومعهد أبحاث السكان في جامعة ولاية بنسلفانيا، فإن الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب كان سيؤثر على نحو 255 ألف طفل سنويًا، كانوا سيحرمون من الحصول على الجنسية الأمريكية تلقائيًا عند الولادة.
وعلى الرغم من تأكيد ترامب المتكرر أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي تمنح الجنسية على أساس مكان الولادة، فإن هذه المزاعم لا تتوافق مع الواقع، إذ تطبق نحو 40 دولة حول العالم سياسات مماثلة.
وتتركز معظم هذه الدول في الأمريكتين، وتشمل الأرجنتين والبرازيل وتشيلي وكندا والإكوادور والمكسيك وفنزويلا، إلى جانب دول أخرى، فيما تعد باكستان أيضًا من الدول ذات الكثافة السكانية المرتفعة التي تعتمد مبدأ منح الجنسية بالولادة.
ويُعد موقف ترامب الرافض لحق المواطنة بالولادة جزءًا من برنامجه السياسي منذ حملته الرئاسية الأولى عام 2015، عندما أعلن أن هذا الحق" انتهى ولن يستمر".
ورغم أنه لم يتخذ خطوات تنفيذية خلال ولايته الرئاسية الأولى، فإنه واصل الدعوة إلى إنهاء العمل بهذا المبدأ، قبل أن يبادر إلى إصدار أمره التنفيذي عقب عودته إلى البيت الأبيض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك