تنتخب الجزائر برلماناً جديداً الخميس (الثاني من تموز/يوليو 2026)، حيث يقدم الرئيس الحالي عبد المجيد تبون هذا التصويت كخطوة أخرى نحو تجديد المؤسسات السياسية في البلاد.
ومع ذلك، لا يتوقع العديد من المراقبين حدوث تغيير في السلطة ولا تحول جوهري في النظام السياسي.
وفي الوقت الحالي، يتصدر أمر آخر جدول اهتمامات العديد من الجزائريين: كرة القدم.
فقد تأهل المنتخب الوطني إلى الأدوار الإقصائية في كأس العالم 2026.
وفي هذا الصدد، قال روبن فريش، مدير مكتب مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية في الجزائر العاصمة، لشبكةلـDW: " تتنافس الانتخابات مع مواضيع أخرى، لا سيما كأس العالم وبداية العطلة الصيفية".
ومع ذلك، أضاف مدير مكتب المؤسسة المقربة من الحزب الاشتراكي الديمقراطي أنه" بالتأكيد حدث سياسي مهم"، على الرغم من قلة الحملات الانتخابية.
ووفقاً للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات (ANIE)، يحق لنحو 24.
7 مليون جزائري التصويت لانتخاب المجلس الشعبي الوطني الجديد في 2 يوليو/تموز.
وسيتم انتخاب أعضاء الغرفة السفلى البالغ عددهم 407 أعضاء لولاية مدتها خمس سنوات.
هل هي أكثر من مجرد انتخابات روتينية؟بالنسبة للمحلل السياسي رشيد أوعيسى من جامعة ماربورغ الألمانية: " أعتبر هذه الانتخابات ذات أهمية بالغة".
وأضاف أن انتخابات عام 2021 كانت لا تزال متأثرة بشدة باحتجاجات الحراك المطالبة بالديمقراطية، لكنه يرى هذه المرة اتجاهاً مختلفاً: " إذا تابعت الحملة الانتخابية، ستلاحظ أن هناك عدداً كبيراً جداً من المرشحين المستقلين".
ويفسر رشيد أوعيسى كثرة الترشيحات المستقلة بأنها إشارة إلى أن أجزاء من المجتمع عادت لترى البرلمان كساحة سياسية، بينما يرى روبن فريش في هذا الأمر تعبيراً عن خيبة الأمل تجاه الأحزاب السياسية وعلامة على تعبئة سياسية جديدة في آن واحد، حيث قال: " المجلس الشعبي الوطني هو المؤسسة الديمقراطية الأكثر وضوحاً في الجزائر".
" عزوف شعبي وقوائم مغمورة"في مقابل هذه القراءات المتفائلة، يرى توفيق بوقاعدة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر، في إجابته عن سؤال حول مدى تفاعل الشارع والزخم الجماهيري مع هذا الموعد، أن الانتخابات لم تحظَ باهتمام شرائح المجتمع.
ويستدل بوقاعدة بـ" الحملة الباهتة التي غاب أثرها في الشوارع والقاعات"، مُرجعاً هذا الفشل الحزبي إلى الأداء" الهزيل" للبرلمان الأول بعد الحراك، والذي وافق على قوانين حكومية مثيرة للجدل مثل قوانين الميزانية رغم الاعتراضات الشعبية.
ويضيف الخبير الجزائري، أن العزوف يرتبط أيضاً بخلو القوائم من الشخصيات السياسية المؤثرة واستبدالها بأسماء مغمورة، فضلاً عن غياب البرامج الواضحة واعتماد المتنافسين على جمل وعبارات مكررة تعجز عن تشخيص الواقع أو تقديم حلول حقيقية له.
ورغم الحديث عن قفزة في أعداد القوائم المستقلة بنسبة 71%، إلا أن بوقاعدة يطرح تفسيراً مغايراً عند سؤاله عما إذا كان هذا الصعود يعكس نمواً في الوعي المدني.
فهو لا يرى فيه وعياً مدنياً، بل" تعببراً عن أزمة عميقة تعيشها الأحزاب في الجزائر".
ويجزم بوقاعدة بأن هذه القوائم ترتكز على أشخاص وليس على تيارات جمعوية أو فئوية، مؤكداً أن التجربة أثبتت أن المستقلين لم يضيفوا شيئاً للغرفة التشريعية وتحولوا إلى" مجرد أرقام فقط".
ويحذر من أن تغييب الدور الحزبي الفاعل ينعكس سلباً على الحياة العامة، حيث" يشل الحركية السياسية ويُغيب معها النقاش الحقيقي حول القضايا المجتمعية والسياسية والاقتصادية".
وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تحظى نسبة مشاركة الناخبين على اهتمام خاص؛ فوفقاً للأرقام الرسمية، بلغت نسبة الإقبال في الانتخابات البرلمانية لعام 2021 نحو 23% فقط، وهو حد أدنى تاريخي.
كما أن حدوث مزيد من التراجع من شأنه أن يعزز الانطباع بأن العديد من الجزائريين لا يثقون في مؤسسات الدولة.
ديمقراطية" مضبوطة" بحدود صارمة؟ومع ذلك، تظل الجودة الديمقراطية للنظام السياسي محل جدل، إذ صنف مركز الأبحاث" فريدوم هاوس" (Freedom House) ومقره واشنطن، الجزائر مرة أخرى بأنها" غير حرة".
وقال المركز إنه على الرغم من وجود انتخابات وأحزاب سياسية، إلا أن السلطة الفعلية لا تزال بيد الرئاسة والجيش والأجهزة الأمنية.
وقد توصل" مؤشر برتيلسمان للتحول" ( Bertelsmann Transformation Index) الألماني إلى استنتاج مماثل: فقد تلاشت آمال الإصلاح إلى حد كبير، و" عادت الجزائر سياسياً وبشكل واسع إلى ظروف ما قبل الربيع العربي".
ومنذ انتهاء احتجاجات الحراك، أعربت عدة أحزاب معارضة وصحفيون ومنظمات حقوقية عن أسفهم إزاء تقلص المساحة السياسية والإعلامية بشكل متزايد.
يقول روبن فريش إنه لا يزال هناك فضاء سياسي للإجراءات الديمقراطية.
ولهذا السبب، يرى عودة العديد من أحزاب المعارضة بعد مقاطعتها لانتخابات 2021 أمرا إيجابيا.
بيد أن عودة المعارضة على وجه الخصوص تُفسر بطرق مختلفة، إذ يرى" منتدى الشرق الأوسط" (Middle East Forum) ومقره فيلادلفيا في الولايات المتحدة الأمريكية، أن هذه العودة لا تعكس انفتاحاً سياسياً بقدر ما هي نتيجة لضغوط مؤسساتية.
والعامل الكامن وراء ذلك هو قانون الأحزاب السياسية الجديد الذي يهدد بحل الأحزاب بعد مقاطعتين انتخابيتين متتاليتين.
كما أن عودة المعارضة لا تعكس بالضرورة ثقة جديدة في النظام السياسي، بل يراها البعض محاولة للمساهمة في صياغة التطورات، على الأقل من الداخل.
وتُقابل الإصلاحات الانتخابية أيضاً بنظرة نقدية، فوفقا لفريش، واجهت الصلاحيات الموسعة للسلطة الانتخابي، تشكيكا من جانب أطراف في المعارضة.
الكوتا النسائية والممارسة الحزبيةعلاوة على ذلك، جرى تخفيض حصة المرأة (الكوتا) في القوائم الانتخابية من 50% إلى الثلث.
لكن رشيد عيسى، من جامعة ماربورغ الألمانية، لا يزال يلمس مؤشرات على التغيير، حيث قال إن الرئيس تبون يسعى خطابياً، على الأقل، إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع.
وأضاف أن مشاركة ناشطين سابقين في الحراك في هذه الانتخابات هي خطوة جديرة بالاهتمام.
كما أشار فريش أيضاً إلى مبادرات جديدة للمجتمع المدني، مثل التكتل النسوي الذي تأسس في جنوب الجزائر.
وفي تعليقه على تراجع تمثيل المرأة وخفض الكوتا إلى الثلث، يقدم توفيق بوقاعدة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر، مقاربة تفكك الجدل القانوني، إذ يرى أن المسألة في بلاده لا يمكن فهمها من منظور" الجندر" أو التحيز الذكوري، خصوصاً وأن الجزائر كانت سباقة في تشريع حصص المرأة في نتائج الانتخابات.
ويخلص بوقاعدة إلى أن العزوف الإرادي للمرأة عن الانخراط في العمل السياسي، وحصر حضورها في العمل الجمعوي والخيري، ليس مرجعه بنية المجتمع المحافظة أو التقليدية، وإنما يعود بالدرجة الأولى إلى" الأداء الحزبي السلبي وسوء ممارسة الأحزاب في العملية السياسية".
توقعات: لا تغيير في السلطةوعلى الرغم من هذا التقدم، لا يرى روبن فريش مساحة كبيرة لتغيير سياسي ملموس، حيث قال: " المبادرات السياسية الحاسمة لا تنطلق عادة من البرلمان".
كما يصف" مؤشر برتيلسمان للتحول" الجزائر بأنها نظام قائم على" الاستقرار السلطوي"، حيث يؤدي البرلمان في المقام الأول دور جهة مصادقة على قرارات السلطة التنفيذية.
بيد أن أوعيسى يبدو أكثر تفاؤلاُ، إذ يرى أن تبون، البالغ من العمر 80 عاماُ، قد يتمكن لأول مرة من العمل مع برلمان لم يعد مشكلا بالكامل من الشبكات القديمة لحقبة بوتفليقة، وخلص إلى أن" القيادة السياسية والمجتمع لديهما تطلعات كبيرة فيما يخص هذه الانتخابات".
لماذا تهتم أوروبا بهذه الانتخابات؟بغض النظر عن تأثيرها السياسي الداخلي، تحظى الانتخابات البرلمانية الجزائرية بأهمية كبيرة بالنسبة لأوروبا.
وينطبق هذا بشكل خاص على فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة، والتي تعتبر علاقتها بالجزائر متوترة حتى يومنا هذا.
وفي السنوات القليلة الماضية، أصبحت الجزائر شريكاً حيوياً في مجال الطاقة بالنسبة لأوروبا.
كما تلعب البلاد دوراً محورياً في ملف الهجرة وتأمين منطقة الساحل، مما يسهم في إضفاء ديناميكية جديدة على العلاقات بين الجزائر والاتحاد الأوروبي.
ووفقاً لروبن فريش، مدير مكتب مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية، فمن المرجح أن تسعى الجزائر إلى توسيع دورها كركيزة إقليمية للاستقرار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك