لن تجد الإجابة عن هذا السؤال لدى الحكْمين، الإيراني والأميركي.
ولا بين أنصار أحدهما، او مؤيديهما، أو الحريصين على الحياد حفاظاً على أرزاقهم، أو سلامتهم، أو حتى مشروعهم السياسي، فالجميع في هاتين البيئتين يصرخ بالنصر، ويستنكر القول النقيض.
والحقيقة أنه يصعب البتّ نهائياً بحصيلة هذه التي تشبه المباراة، بوجه من وجوهها.
لولا الموت والدمار والدموع.
لأن الحرب لم تنته بعد، ولا لغتها، فدونالد ترامب الذي لم يعجبه الإصرار الإيراني على التحكّم في مضيق هرمز، ولا الاشتباكات الحاصلة على ضفافه، عاد منذ بضع ساعات إلى لغته إياها، وهدّد ايران بـ" إزالتها من الوجود".
وربما هو غاضب أيضاً من أنه لم ينجح بضَبْضَبة إسرائيل وإيران في لبنان.
ربما الاتفاق الذي وضع من أجله كل ثقله، بواسطة وزير خارجيته المحارب ماركو روبيو، لم يقنع لا إسرائيل صديقته القديمة ولا إيران عدوته اللدودة.
وربما هذه من الإشارات الأولى إلى الجواب عن السؤال.
لنعُد إلى الوراء قليلاً: ماذا أراد ترامب عندما انساق وراء نتنياهو في مشروعه القديم الحرب على إيران؟ ما الذي شجّعه على ذلك؟
طبائعه الأميركية، سلاحه الذي لا يضاهيه أي سلاح.
تجربته الفنزويلية الخاطفة و" الناجحة"؛ حيث تمكّن بلمحة بصر من الإغارة على غرفة نوم رئيسها ورميه هو وزوجته في السجن، والحصول على ولاء كبار معاونيه السابقين.
وإيمانه بالتالي بأن النظام الإيراني سوف يسقط لا محالة من ضربات صواريخه، بمعاونة أساطيله البحرية المنتشرة في البحار والخليج.
وتسقط معه أسلحة إيران من نووي وباليستي.
واعتقاده أن تلك الحرب سوف تعزّز صدارته وتمنع الحزب الديمقراطي المنافس من النيل منه في الانتخابات النصفية، فتحاكمه على أخلاقياته وفساده، وعلى فشل سياسته الاقتصادية.
عزَّزت الحرب الشراكة الإيرانية- الروسية، خصوصاً في مجالات الدفاع والمخابرات والدبلوماسيةوفي المقابل، كانت إيران تريد هي أيضاً الحفاظ على نظامها، واسلحتها وسيادتها على أرضها؛ فضلاً عن أذرعها المسلحة، اللبنانية خصوصاً.
وتخمد معارضيها، وتبقي صوت حكامها وحدهم.
والنتيجة التي نعرفها جميعاً: اغتيلت القيادات الإيرانية، ولكن جيلاً جديداً من الحرس الثوري صعد بدلاً منها، أكثر تصميماً على الحفاظ على النظام.
أبرد دماً، أكثر قتالية تجاه الأميركيين.
والشعب المنتفض الذي ناداه ترامب بعبارات مضحكة، من نوع: " على الشعب الإيراني أن ينتزع السلطة من حكومته"، أو: " أيها الوطنيون الإيرانيون، واصلوا الاحتجاج.
استولوا على مؤسساتكم!
المساعدة في الطريق"، أو: " إذا كان النظام الإيراني الحالي عاجزاً عن أن يجعل إيران عظيمة من جديد، فلماذا لا يحدُث تغيير للنظام؟ اجعلوا إيران عظيمة من جديد".
ظهرت ركاكة نداءات ترامب للشعب الإيراني منذ بدأت بشائر صمود حكّامه في وجه الهجمات الأميركية- الإسرائيلية: فعلى الرغم من مضيهم في الاعتقال والإعدام وحجب الإنترنت والرقابة على الأفراد، ومن استمرار التضخّم المالي وفساد الإدارات.
بالرغم من هذا كله، ظهرت من بين المعارضين تعبيرات قومية فارسية تحيّي هذا الصمود، وتطلق عبارات" الالتفاف حول العلم"، أو" حول الراية الوطنية" التي تحيي ذكرى حربها الطويلة مع العراق، في ثمانينيات القرن الماضي.
وفي الأثناء أيضاً، تكتشف إيران نفسها؛ مضيق هرمز ونعمة الجغرافيا عليها.
فيدخل المضيق في التاريخ بصفته سلاحاً مفاجئاً، يتفوق على كل السلاح الأميركي الفتاك، يخنق الاقتصاد العالمي، يصيب المواطن الأميركي في قلب دياره، ويفرغ الصواريخ الأميركية وحاملاتها من قدراتها.
ويكون حامياً للصواريخ الباليستية الإيرانية وللنووي الإيراني.
فتغيب الأولى، الباليستية، عن مذكرة التفاهم الأولى بين أميركا وإيران، ويحضر الثاني، النووي، بصيغة القابل للأخذ والرد.
ويُنسف بهذا كل جموح ترامب بإزالة الاثنين، كما هدّد في بداية الحرب.
فوق هذا، لم تخسر إيران أحداً من حلفائها الرئيسيين: أي الصين وروسيا.
استنكرت الأولى حرب الثنائي الأميركي الإسرائيلي عليها.
وعملت على منع اتساعها.
دعمت إيران دبلوماسياً واقتصادياً، وبدأت تلمح إلى عودتها لتوريد النفط الإيراني.
وبقيت على هذه الحال عند نهاية الحرب، حليفة إيران الساهرة عليها من بعيد، " دبلوماسياً"، من دون إرسال الأسلحة إليها، أو توقيع معاهدة شراكة عسكرية معها.
عكس روسيا، التي وقعت مع إيران معاهدة شراكة استراتيجية قبل عامين، تغطي المجالات العسكرية والطاقة والمال والتكنولوجيا.
والحرب على إيران اختبرت هذه المعاهدة، فعزَّزت الشراكة الإيرانية- الروسية، خصوصاً في مجالات الدفاع والمخابرات والدبلوماسية.
أما الأذرع فلا تسأل.
" شكراً إيران"، كان شعار حزب الله الذي علّقه على الأعمدة، ونطق به زعيمه ونوابه وشخصياته، وكل مظاهر الاستقواء التي ألِفها لبنان عندما يشعر حزب الله بنشوةٍ ما، بدعم ما، يأتيه من المصدر أو ملحقاته.
مع وقف إطلاق النار، وخسارة ترامب، عادت الشكوك في الحرب نفسها ودورها في طمس ملف إبستينفي المقابل، ماذا جنى ترامب؟
داخليّاً: ومع اقتراب الانتخابات النصفية، ارتفاع غير مسبوق لأسعار النفط والسلع، تضخم مالي مع توقف سلسلة الشبكة العالمية للتصدير.
رأي عام أميركي معادٍ للحرب.
بداية تشكل تمرّد في صفوف القاعدة المحافظة الشعبية والنخبوية المنضوية تحت شعار" ماغا" (" لنجعل اميركا عظيمة من جديد" ) وبداية عصيان بين نواب" الحمائم" من الحزب الجمهوري، واحتجاج بين النواب" الصقور".
وللأطراف الثلاثة رأي مختلف بالحرب: الأولى، القاعدة الشعبية، لأنها ترى في حرب ترامب على إيران خيانة لوعده الانتخابي بعدم خوض حروب في الخارج.
والثاني، أي" الحمائم" الجمهوريين، لأنهم يخشون خسارة الانتخابات النصفية المقبلة، بسبب تزايد الرفض الشعبي لهذه الحرب.
أخيراً، النواب" الصقور" من الحزب الترامبي نفسه، غاضبون لأن ترامب أمر بوقف الحرب.
ملف جيفري إبستين، المجرم البيدوفيلي، أغفلته مؤقّتاً الحرب على إيران، كما رغب ترامب.
ومع وقف إطلاق النار، وخسارة ترامب، عادت الشكوك في الحرب نفسها ودورها في طمس هذا الملف.
وتحاول أصواتٌ عديدة الآن الضغط على وزارة العدل، كي تنشر المزيد من الوثائق.
ومعروف أن هذه الأخيرة تنطوي على إثباتات عن علاقة ترامب بشبكة إبستين.
ومنذ يومين، حصل تطور أكثر إثارة: مجلس النواب الأميركي يستدعي الملياردير ليون بلاك، الصديق الحميم لإبستين، وأحد ممولي الحزب الجمهوري، للتحقيق معه حول علاقاته به.
وقد يتمثل الانقسام داخل الحزب الجمهوري في انقسام كبار المسؤولين في الإدارة الرسمية بين مؤيد لوقف النار مع إيران ومعارض له.
أو بعبارات أوضح: بين القائل بضرورة التنازل لإيران في بعض مطالبها، والذي يمثله نائب الرئيس، فانس، وقائل بالتصلّب معها، والمتمثل بوزير الخارجية ماركو روبيو.
والاثنان مرشّحان محتملان في الرئاسيات المقبلة.
والأخير، أي روبيو، حاول أن يلحق نفسه، بأن سارع إلى الخليج، للاطمئنان وللتطمين.
لا نعرف إلى أيّ حدٍّ أقنع وزراء خارجية دول التعاون الخليجي بكلامه" المتشدّد" تجاه إيران.
والأرجح أنه، بحسب لهجته وكلامه، بذل جهداً فائقاً للحفاظ على شعرة التحالف الأميركي الخليجي.
والبيان الصادر عنه وعن وزراء خارجية الخليج العربي، والداعي إلى ملاحة حرّة غير مشروطة غير مقيدة في المضيق، والرافض كل رسوم المرور أو إتاوات أو أي محاولة من أي بلد كان بفرض سيطرته على هذا الممر المائي.
هل يدل على توفُّق روبيو بمهمته؟اغتيلت القيادات الإيرانية، ولكن جيلاً جديداً من الحرس الثوري صعد بدلاً منها، أكثر تصميماً على الحفاظ على النظاميبقى الحلفاء الأوروبيون، الذين رفضوا طلب ترامب بمساعدته في حربه مع ايران.
والأرجح أن الصين نصحتهم بهذا الامتناع.
وأخيراً، الحليف التاريخي، العضوي، لأميركا، أي إسرائيل.
هل تخسره أميركا، أو هو يخسر أميركا، بعدما كان هو المحرّك لهذه الحرب ضد إيران؟ يخسر كل منهما الآخر، وربما إلى مدى بعيد، فتعود العلاقات بينهما بصيغة مختلفة عن الزمن الذهبي؟إليكَ بعض الإشارات إلى هذا التحول: الرأي العام الأميركي الذي يشهد تحوّلاً، تاريخيّاً بدوره، ضد إسرائيل.
60% منهم يعلنونها صراحة.
الانتخابات التمهيدية أخيراً في ولاية نيويورك ضربت رقماً قياسياً آخر.
ثلاثة مرشّحين الحزب الديمقراطي، واحد منهم يهودي، جميعهم معادون لإسرائيل، يكسبون هذه الانتخابات.
حفلات الشتائم التي أطلقها ترامب ضد نتنياهو، ومحورها إصراره على مواصلة الحرب على إيران وعلى حزب الله.
وفوق هذا: ملف النووي الإسرائيلي الذي يخرج من غموض وتناسي، عمرهما أربعة عقود.
ففي أوائل مايو/ أيار الماضي، أي بعد شهرين من اندلاع الحرب على إيران، طرح 30 عضواً في الكونغرس موضوع النووي الإسرائيلي، وطالبوا بالكشف عنه، وبإلقاء الضوء على تفاصيله.
تزعزع العلاقة بين ترامب الخاسر وحليفه الإسرائيلي الذي جرّه إلى الحرب.
هل يكون لصالح الفلسطينيين أو اللبنانيين والسوريين؟ أو يكون هؤلاء وقوداً لتلك الخسارة؟ أو جزءاً من قواعد الاشتباك الجديدة بين أميركا وإيران من جهة، وبين إسرائيل وإيران من جهة أخرى؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك