قناة القاهرة الإخبارية - السندات الأمريكية عند مستويات مرتفعة.. هل يقترب خفض الفائدة؟ قناة القاهرة الإخبارية - فوربس 2026.. التكنولوجيا تقود، والطاقة تحافظ على مكانتها قناة الجزيرة مباشر - نافذة من لبنان | بيروت تعتبر اتفاق واشنطن إطارا توجيهيا لا معاهدة نهائية روسيا اليوم - 15 سيدة تحت قبة مجلس الشعب السوري قناة القاهرة الإخبارية - تباطؤ نمو الصناعة البريطانية يثير مخاوف بشأن الطلب قناة الغد - قبيل جنازة خامنئي.. إيران تحذر أميركا وإسرائيل من شن هجمات جديدة Independent عربية - من طهران إلى مشهد... محطات تشييع خامنئي ورمزيتها العربي الجديد - تراكم معروض النفط الإيراني في عرض البحر بسبب ضعف الطلب وشبح العقوبات روسيا اليوم - في ذكرى ميلاده.. هيرمان هيسه: الروائي الذي جعل من البحث عن التوازن فلسفة للحياة قناة الغد - هدم واقتحامات واعتقالات.. جيش الاحتلال يواصل عدوانه في الضفة
عامة

كلفة الموت في غزة.. شح في القبور والاحتلال يمنع دخول الأكفان

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 1 ساعة

غزة- بينما كان محمد عوض يحاول توسعة حفرة امتصاصية للتخلص من مياه الصرف الصحي في خيمة نزوحه بحي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، فإذا به يتفاجأ بجثمان طفل ملفوف بغطاء كان قد دُفن في المكان ذاته الذي تحول إل...

غزة- بينما كان محمد عوض يحاول توسعة حفرة امتصاصية للتخلص من مياه الصرف الصحي في خيمة نزوحه بحي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، فإذا به يتفاجأ بجثمان طفل ملفوف بغطاء كان قد دُفن في المكان ذاته الذي تحول إلى مقبرة عشوائية مؤقتة عقب اجتياح جيش الاحتلال الإسرائيلي للمنطقة مع بدء حرب الإبادة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وفي مقبرة الشيخ رضوان أيضا، فقدت الصحفية يسرى العكلوك آثار قبر شقيقها إسماعيل، الذي ارتقى عام 2014 واعتادت زيارته هناك باستمرار، واتخذت من شجرة علامة للقبر، لكنها في زيارتها الأخيرة قبل أيام لم تجده، بل إن شاهدا صغيرا ارتفع مكان قبر شقيقها يحمل اسم شهيد آخر وتاريخ دفن جديد.

هكذا غدت أحوال المقابر في قطاع غزة؛ بين عشوائية مفرطة وقبور استبدلت ودفن فيها أقارب أو موتى آخرون، بفعل ضيق المدافن ووقوع عدد كبير منها تحت سيطرة الاحتلال، وتدميره لأخرى، فيما تبدو" الجثامين المجهولة" وبيع القبور معضلة تفاقم الأزمة أكثر.

بعد عثوره على جثمان الطفل، تواصل محمد عوض (57 عاماً) مع طواقم الإسعاف الفلسطينية التي تولت نقل الجثمان وإتمام مراسم توثيقه ضمن ملف طويل يضم آلاف الشهداء مجهولي الهوية، ويزداد تعقيداً مع مرور الوقت.

تعود بدايات المقابر المؤقتة العشوائية في غزة، إلى العملية البرية الأولى التي شنها الاحتلال داخل القطاع مطلع نوفمبر/تشرين الثاني 2023، حيث اضطر السكان إلى دفن الشهداء في أماكن بديلة بعدما تعذّر وصولهم إلى المقابر الرئيسية.

ويقول عوض للجزيرة نت إن قوات الاحتلال دمرت منزله في الفترة الأخيرة من الحرب، ما اضطره للإقامة داخل خيمة على أرض ملعب أحد أحياء مدينة غزة، وذلك عقب اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

وكان عوض يعلم أن سكان المنطقة لجؤوا في نهاية 2023 إلى دفن شهداء لهم داخل الملعب بسبب محاصرة الاحتلال لحي الشيخ رضوان حينها، لكن ذويهم أعادوا دفنهم في مقبرة الحي الرئيسية بعدما تراجعت آليات الاحتلال من المنطقة.

عشوائية ومؤقتة.

مقابر بالمئاتتولى المسعف كريم العطل، الذي يقطن قرب مخيم الإيواء في حي الشيخ رضوان، المهمة؛ فوضع ما تبقى من جثمان الطفل في كيس مخصص لنقل الشهداء، وسلمها إلى وزارة الصحة بغزة التي أتمت إجراءات التوثيق والدفن.

وقال العطل للجزيرة نت إن الملعب تحول إلى مقبرة مؤقتة ضمت 100 جثمان، وقد تم نقلهم بعد أشهر إلى المقبرة الرئيسية، لكن يبدو أن بعض الجثامين لم يتعرف عليها ذووها وبقيت مدفونة في المكان نفسه، منوهاً إلى تكرار حوادث العثور المفاجئ على العديد من الجثامين، دون معرفة أي تفاصيل تؤدي إلى كشف هوية الشهيد.

وفي حي الكرامة شمال مدينة غزة، عثر المواطن ماجد شاهين، مطلع عام 2025، على جثمان شهيد متحلل مدفون بجوار منزله، ورغم إعلانه المتكرر عن بعض العلامات التي تساعد في التعرف عليه، إلا أنه لم يستدل عليه أحد.

ووثق شاهين مشاهد -حصلت الجزيرة نت على نسخة منها- لاستخراج رفات الشهيد، وإعادة دفنه في مقبرة رسمية، لعل في يوم ما يتم التعرف على هويته.

ووثّق المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، وبعد عام من الحرب، نحو 30 مقبرةً جماعية عشوائية تضم قرابة 3 آلاف جثمان في محافظات غزة الشمالية والوسطى والجنوبية، وأكثر من 120 مقبرةً جماعية عشوائية دُفن فيها 3 أفراد فأكثر، استُحدثت في القطاع منذ بداية حرب الإبادة.

ويعزو مدير وحدة الإسعاف في الخدمات الطبية بغزة فارس عفانة ارتفاع أعداد الشهداء مجهولي الهوية إلى جرائم الاحتلال البشعة على مدار عامين من حرب الإبادة، شملت" التنكيل بالشهداء سواء بنبش وتجريف المقابر، أو منع وصول الطواقم الطبية لانتشال الجثامين وتركهم عرضة لنهش الكلاب الضالة، أو إبادة عائلات بأكملها ولم يتبق أحد على قيد الحياة للتعرف على بقية أفراد أسرته".

وقال عفانة للجزيرة نت إن الجهات المختصة شكلت لجنة لتوثيق البيانات الخاصة بجثامين الشهداء مجهولي الهوية بهدف تسهيل التعرف عليهم في أي وقت لاحق، وذلك بعدما تكفلت بدفنهم في مقابر جماعية.

وفي مشرحة مجمع الشفاء الطبي، ينشغل مدير دائرة الطب الشرعي بغزة الدكتور أحمد اضهير في متابعة ملفات الشهداء، حيث وثقت الجهات المختصة ما يزيد على 1000 جثمان ضمن قائمة مجهولي الهوية، وأشرفت على دفنهم بعدما منحت كلا منهم رقما متسلسلا وسجلا متكاملا يحتوي على صور خاصة لهم، وتفاصيل ملابسهم، وبعض العلامات المميزة، وعمر تقديري للشهيد، وعينة تستخدم في فحص الحمض النووي" دي إن إيه" حال سماح الاحتلال بإدخال المواد المخصصة للفحص.

وقال اضهير للجزيرة نت إن سلطات الاحتلال سلّمت منذ اتفاق وقف إطلاق النار جثامين 480 شهيداً ممن كانت تحتجزهم، ولم تقدم أي معلومات واضحة عنهم، حيث تمكنت اللجان المختصة من التعرف على 110 جثامين فقط، فيما أدرجت بقية الجثامين والرفات ضمن مجهولي الهوية.

ولفت إلى أن هناك العشرات من الشهداء الذين دُفنوا في مقابر عشوائية ولم يعرضوا على الجهات المختصة خلال الحرب، ولم تدرج بياناتهم ومواصفاتهم في السجلات الرسمية لمجهولي الهوية، مبيناً أن ملف الشهداء مجهولي الهوية يزداد تعقيداً مع مرور الوقت ويحتاج إلى توفر الكثير من المواد والمعدات والفحوصات لمحاولة التعرف عليهم.

وتقدر الجهات الحكومية في غزة عدد المفقودين في الحرب الأخيرة على القطاع بنحو 10 آلاف شخص، العدد الأكبر منهم لا تزال جثامينهم تحت الأنقاض، وآخرون ضمن المفقودين ولا يزال مصيرهم مجهولا، وعدد منهم تم دَفْنُهُم دون معرفة هويتهم.

في زاوية أخرى لمشهد الموت في غزة، خرجت مساحات واسعة من القبور عن الخدمة بفعل الدمار أو وقوعها في مناطق يتعذّر الوصول إليها، وضاقت خيارات الدفن وامتلأ ما هو متاح إلى حدٍ غير مسبوق.

وباتت العائلات تعيد فتح قبور ذويها لدفن شهداء جدد، وتجاورت في القبر الواحد أسماء تفصل بين وفاتها أو استشهادها سنوات طويلة، فيما غدت بعض القبور القديمة عرضة للنبش وإعادة الاستخدام.

وخلال جولة ميدانية للجزيرة نت في مقابر مدينة غزة، بدت آثار هذه الأزمة واضحة؛ حيث الشواهد التي تحمل أكثر من اسم، والقبور التي تضم شهداء من أعوام وحروب مختلفة.

ومن مشافي غزة تبدأ معاناة العائلات من اللحظة الأولى التي تلي استشهاد ذويهم أو وفاتهم مباشرة، فقبل البحث عن قبر، تصطدم بأزمة أكثر بدائية تتلخص بكيفية العثور على كفن.

يقول مكفن موتى بمجمع الشفاء الطبي، إياد أبو جهل، إن قطاع غزة يعيش" كارثة حقيقية" في توفير الأكفان، بعدما نفدت الكميات المتاحة، فيما لا تزال شحنة كبيرة منتظرة من الضفة الغربية عالقة منذ أشهر على المعابر دون سماح الاحتلال بدخولها، حيث يضطرون لخياطة قطع قماش بيضاء لصناعة الأكفان، فيما تُلف بعض الجثامين بالبطانيات عند انعدام البدائل، خاصة مع عجز كثيرين عن شراء الكفن.

وفيما كفّنت عائلة زيادة ابنها عبد الرحمن الذي قضى إثر غارة استهدفت خيمته في مخيم الشاطئ قبل أسبوعين، إلا أن جثمانه بقي عالقا في ثلاجة الموتى عدة ساعات، فيما كان أفراد العائلة يتنقلون بين المقابر بحثا عن مكان لدفنه، ولم يكن من خيار أمامهم سوى إعادة فتح قبر جدته، المتوفية قبل 5 أعوام في مقبرة الشيخ رضوان، ودفنه إلى جوارها.

يتكرر المشهد في مقابر أخرى داخل مدينة غزة، حيث دفعت ندرة المساحات المخصصة للدفن وصعوبة الوصول إلى المقابر المتاحة، عائلاتٍ كثيرة إلى دفن شهدائها في قبور أقاربهم المتوفين منذ زمن.

ففي مقبرة الصفطاوي شمال المدينة يرقد 4 شهداء من عائلة شاهين بتواريخ متباعدة في قبر واحد، حيث الجدة خديجة عام 2001، ثم ابنتها فاطمة 2019، ثم حفيداها محمد ويوسف اللذين ارتقيا خلال الحرب الأخيرة في عامي 2024 و2025.

وتقول آمنة شاهين وهي ابنة الشهيدة فاطمة للجزيرة نت، إنهم لم يلجؤوا إلى ذلك رغبة منهم، بل لأن الحرب لم تترك لهم خيارا آخر.

حيث لم تكن هناك مساحات متاحة لحفر قبر جديد، كما لم تملك العائلة ثمن شراء قبر بعدما وصلت أسعاره إلى مبالغ وصفتها بـ" الفلكية".

لكن إعادة فتح القبور القديمة لم تكن الخيار الوحيد الذي فرضته الحرب، فمع تقلص المساحات المتاحة للدفن، ووقوع مقابر كثيرة داخل الخط الأصفر، نشأ واقع جديد لم تعرفه غزة من قبل، وهو سوق لبيع القبور، تكشّفت ملامحه خلال رحلة بحث الصحفية يسرى العكلوك عن بائع قبر لدفن شقيقها إسماعيل.

فبعد أيام من البحث، اكتشف العائلة أن القبر الذي اشترته بِيع لعائلة أخرى هي الشهيد سعد عبد العال مقابل 1200 شيكل (نحو 400 دولار).

وفي محيط المقابر، لم يعد الحديث يدور فقط عن الشهداء، بل عن أسعار القبور الخيالية، وعن سماسرة يتولون البيع والشراء، حتى غدا الحصول على قبر، كما الحصول على الكفن، جزءا من معركة جديدة تخوضها العائلات بعد الفقد.

وتكشف وزارة الأوقاف الفلسطينية أن ما تعيشه غزة اليوم ليس أزمة طارئة، بل نتيجة تراكم عوامل بدأت قبل الحرب، ثم تفاقمت أكثر خلال الإبادة.

وقال مسؤول ملف المقابر في وزارة الأوقاف، زياد عبيد، للجزيرة نت إن القطاع كان يضم قبل الحرب 62 مقبرة موزعة على مختلف المحافظات، إلا أن عددا كبيرا منها خرج عن الخدمة بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023، إما لسيطرة إسرائيل عليها أو تدميرها.

ورغم ذلك، وأمام امتلاء مقابر عدة مثل مقبرة الشيخ رضوان، إلا أن الأهالي -بحسب عبيد- عادوا إليها وفتحوا قبورا قديمة ودفنوا شهداء جدد فيها.

حتى أنهم دفنوا أحيانا عائلات كاملة في قبر واحد.

وبحسب عبيد، لم يجرف الاحتلال المقابر القائمة فحسب، بل أيضا تلك التي أُنشئت خلال الحرب داخل ساحات المستشفيات والمدارس والطرقات، ما ضاعف من صعوبة إدارة ملف الجثامين، ودفع الوزارة، بالتنسيق مع اللجنة المختصة واللجنة الدولية للصليب الأحمر لنقل الرفات إلى المقابر الرسمية بعد استكمال الإجراءات القانونية وإبلاغ ذوي الضحايا.

في محاولة للتعامل مع الأزمة، خصصت وزارة الأوقاف مقبرة جديدة في دير البلح لدفن مجهولي الهوية، كما تعمل بالتنسيق مع سلطة الأراضي على إنشاء مقابر إضافية، بينها مشروع يضم نحو 3 آلاف قبر في منطقة شارع 10 بمدينة غزة.

غير أن نقص مواد البناء يمثل تحدياً آخر، إذ يقول عبيد إن الوزارة لم تعد تجد الإسمنت أو الحجارة اللازمة لبناء القبور، ما اضطرها إلى استخدام حجارة مستخرجة من أنقاض المباني المدمرة، فيما تُغطى بعض القبور بألواح من الصفيح أو الأخشاب لغياب البدائل.

وفيما يتعلق بارتفاع أسعار القبور، يوضح أن الوزارة لا تتقاضى سوى رسوم رمزية لإنشاء القبر، مع إعفاء الشهداء والحالات الاجتماعية، لكنه يقر بوجود معتدين وسماسرة يستغلون المقابر القديمة المغلقة، ويبيعون قبورا فيها بمبالغ قد تصل إلى 500 دولار بعد أن كانت لا تتجاوز 80 دولارا.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك