لم يكن الإيطالي غابرييلي دانونزيو (1863 - 1938) فيلسوفاً لا بالمعنى الإبداعي للكلمة، ولا حتى بالمعنى التقني.
لكن إعجابه المطلق بنيتشه وكتاباته وأفكاره والمتداخل في تلك الأفكار بين قضية الإنسان وتمرده ودور الفنان في وجوده، جعله ليس فقط يهتم بالفلسفة عن كثب، بل يعتقد لوهلة أنه يحق له أن يكون الوريث الشرعي للفليسوف الألماني المتمرد، ولا سيما عند موت هذا الأخير في عام 1900، يوم كان دانونزيو نفسه يعيش منطوياً على ذاته في فلورنسا بعد سلسلة خيبات متتالية أحدقت له.
طبعاً لا نريد أن نقول بهذا إن رحيل نيتشه قد صدم الكاتب الذي كان في حينها يدنو من الـ40 من عمره ويشعر أن كتاباته ومكانته وأحوال بلاده الإيطالية وارتباط هذه البلاد بالماضي الإغريقي، كل هذا يتعين أن يطرحه في عصره بوصفه مصلحاً كبيراً.
بل أكثر من ذلك بوصفه قائداً لا فرق لديه بين أن يقود جماهير المتفرجين في صالات المسارح أو ردهات القراءة، أو أن يقود جموع المقاتلين في حروب إمبريالية غايتها ليس فقط السيطرة على بلاد الآخرين و" تمدينها"، كما حاله بالنسبة إلى ليبيا التي كان من كبار مؤيدي احتلالها وقمع كل تحرك استقلالي فيها، والعمل حتى على دمجها في وحدة جغرافية تحت شعار المصير الإنساني المشترك.
صحيح أنه لم يعثر على صدى لهذه الأفكار لدى سلفه الكبير، لكنه لن يجد بأساً في أن يضيفها، هو الذي أمضى وسيمضي حياته في أوهام تتراوح بين العظمة المطلقة، والتفاني في خدمة البشرية، ولكن طبعاً على الطريقة التي جعلت الفاشية" تكتشفه" لاحقاً وتعتبره من بناتها، تماماً كما اكتشف النازيون" نازية" نيتشه المزعومة فضموه إليهم هو الذي ما كان من شأنه أن يوافقهم على أي من أفكارهم لو كان حياً حين تبنوه، لكن أخته" باعته" لهم كما نعرف بـ30 من فضة، بينما نعرف أن دانونزيو قد سلم نفسه وفكره" النيتشوي" للفاشيين مجاناً.
ليس لمصلحة ولا حتى لإحساس بعظمة ما، بل بقدر كبير من البراءة والتيقن من حاجة الإنسانية إلى من يأخذ بيدها على الدروب النتيشوية.
والحقيقة أن تلك الأفكار الأخيرة والتمعن في بعض الأعمال الإبداعية التي أنتجها دانونزيو في المرحلة التي تلت مباشرة رحيل نيتشه، ولم يكن صدفة أن معظمها مسرحي مثل" المدينة الميتة" و" الجوكوندا"، من شأنه أن يوضح لنا بعض الأمور المتعلقة بتلك النيتشوية الدانونزية التي لا يمكننا اعتبارها على أية حال، مفترضة، بل حقيقية بالنظر إلى أن الكاتب نفسه قد جعلها سمة أساسية من سمات كتاباته، مما يجبرنا على أخذ الأمر في الاعتبار ومن ثم النظر إليها كعلاقة فكرية تعتبر واحدة" من أهم العلاقات تعقيداً في الثقافة الأوروبية عند مطلع القرن الـ20"، كما يرى بعض المفكرين الأكثر حماسة للمبدعين معاً.
ويرى هؤلاء أن دانونزيو لا يمكن النظر إليه باعتباره مباشراً لنيتشه، لكنه كان" من أبرز الذين استوعبوا أفكاره وأعادوا صياغتها، ضمن إطار جمالي وارستقراطي أقل ما يمكن أن يقال عنه إنه خاص به".
ويقيناً أن في هذه العبارة الأخيرة كما نوهنا قبل سطور يكمن مفتاح فهم العلاقة التي بناها دانونزيو مع الفيلسوف، ففي نهاية القرن الـ19 وبدايات القرن الـ20 اكتشف دانونزيو كتابات نيتشه في لحظة كانت الثقافة الإيطالية تبحث عن بديل للنزعة الوضعية والواقعية السائدة.
ولقد وجد هذا الكاتب الإيطالي الأرستقراطي الشاب في فلسفة نيتشه ولا سيما في مفهوم" الإنسان الأسمى" ما ينسجم مع رؤيته للفنان، على وجه الخصوص بوصفه كائناً استثنائياً يتجاوز الأخلاق العامة ليخلق قيماً جديدة.
غير أن دانونزيو عمل على تحويل هذه الفكرة ناقلاً إياها من سياقها الفلسفي الوجودي عند نيتشه، إلى سياق جمالي وسياسي، بحيث جعل من الفنان أو البطل الأرستقراطي محوراً للعالم.
والحقيقة أن هذا التأثر يتجلى بقدر كبير من الوضوح في مسرحية" المدينة الميتة"، التي أصدرها دانونزيو في عام 1898 عامين قبل وفاة نيتشه، وتدور حول حفريات أثرية في أرض يونانية قديمة.
لكن الماضي الكلاسيكي لا يحضر هنا بوصفه مجرد خلفية تاريخية، بل كفضاء رمزي يختبر فيه الأبطال، كما يرى دارسو دانزنزيو، حدود الإرادة والشغف والمعرفة.
فهنا تعيش شخصيات المسرحية إحساساً بالتفوق الروحي والعزلة عن البشر العاديين، وهو ما يذكرنا حتما بالنبرة النيتشوية.
غير أن دانونزيو لا يلبث أن يضفي على ذلك التفوق طابعاً جمالياً ذا طبيعة مأساوية" إغريقية المنحى" بالطبع.
فالشخصيات هنا لا تصل على الإطلاق إلى حدود التحرر النيتشوي، بل ينتهي الأمر بها إلى نوع لا مفر منه من التدمير الذاتي.
وهنا يبدو واضحاً لنا كم أن دانونزيو يريد أن يقترب من نيتشه في مجال تمجيده للاستثنائية، لكنه سرعان ما يبتعد منه بإخضاع استثنائيته لقوى القدر والمأساة الإغريقية في اختيار قد لا يكون على أية حال بعيداً من اختيارات نيتشوية، إنما مواربة كما يفيدنا بعض الدارسين الأكثر تعمقاً لتلك العلاقة الفكرية الإبداعية بين المفكر الألماني والمبدع الإيطالي.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ومن الطبيعي أن يصل بنا هذا على الفور إلى المسرحية" النيتشوية" التالية التي كتبها دانونزيو في تلك المرحلة نفسها، وهي" الجوكوندا" (1899) التي يظهر التأثير النيتشوي فيها بوضوح من خلال" صورة الفنان المبدع الذي يجعل من الفن قيمة عليا تتجاوز الاعتبارات الأخلاقية التقليدية".
فالعلاقات بين الإبداع والحياة الخاصة بالشخصيات، تطرح هنا سؤالاً نيتشوياً أساسياً هو التالي: هل يحق للمبدع أن يضحي بكل شيء في سبيل تحقيق عمله الفني؟ بيد أن دانونزيو إذ يطرح هنا هذا السؤال، لا يقدم إجابة فلسفية بقدر ما يصور دراما تقوم على مفهوم عبادة الجمال مندمجة مع الحساسية المفرطة المتعلقة به.
وفي هذا السياق نلاحظ كيف أن الإنسان الأسمى لدى نيتشه يتحول إلى فنان دانونزي يعيش وفق قانون للجمال، لا وفق قانون أخلاقي اجتماعي.
والحقيقة أن هذا كله يدفعنا إلى القول إن دانونزيو وعند مطلع القرن الـ20 لم يجعل من نفسه مجرد شارح لنيتشه، بل أكثر من ذلك مؤولاً له.
فهو أخذ من الفيلسوف الألماني فكرة تقوم على تمجيد الفرد الاستثنائي ونقد القيم البورجوازية والإعجاب بالطاقة الخلاقة، لكنه عرف كيف يصيغ كل هذه العناصر داخل عالم يهيمن عليه الجمال والرمزية والحنين إلى العظمة الكلاسيكية.
وبالتالي فإن نيتشه كما أعاد، دانونزيو صياغة فكره، يتحول من فيلسوف التجاوز الوجودي إلى نبي للارستقراطية الجمالية.
وهو تحول سيكون له أثر كبير في الثقافة الإيطالية اللاحقة، ولكن من دون أن يكون لهذا الأثر أية علاقة حقيقية بالنسبة إلى الفاشية الإيطالية التي التصقت بدانونزيو وتبناها هو باستسهال يبدو مضحكاً على ضوء عمق الفكر الذي اشتغل عليه للوصول إلى صياغة عمق تلك الأفكار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك