بعد مرور أسابيع على انتهاء الحرب التي استمرت 40 يوماً، لم يتخذ النظام الإيراني بعد قرارات لتعيين مسؤولين جدد خلفاً لعدد كبير من المسؤولين والقادة الذين قتلوا، ومن بينهم رئيس جهاز استخبارات الحرس الثوري، ووزير الاستخبارات، ورئيس قوات الباسيج، وكذلك أمين مجلس الدفاع الأعلى، ورئيس المجلس الاستراتيجي للسياسة الخارجية، وعشرات المناصب القيادية الأخرى في القيادة العامة للقوات المسلحة وقيادة الشرطة الإيرانية.
ويأتي ذلك في وقت يزعم المسؤولون المتبقون في النظام الايراني أنهم حددوا حتى" خلفاء الخلفاء"، بهدف تسريع عملية اتخاذ القرار واستبدال القيادات، إلا أن عدداً كبيراً من هؤلاء أيضاً قتل خلال الحرب الأخيرة.
وعلى رغم أنه جرى خلال الأشهر الماضية تعيين بدلاء أو قائمين بالأعمال لبعض المناصب الحساسة، مثل القيادة العامة للحرس الثوري، والمتحدث باسم الحرس، وبعض القيادات العملياتية، فإن هوية المسؤولين الجدد عن عدد من أهم المناصب السياسية والأمنية والاستخباراتية لا تزال غير معلنة رسمياً وبشكل واضح.
ويتطلب تعيين بعض هذه المناصب إصدار مرسوم مباشر من المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، الذي تشير الرواية الواردة في النص إلى غيابه خلال الأشهر الأربعة الماضية، كما يشير بعض المراقبين إلى مخاوف أمنية تتعلق بكشف هوية خلفاء كبار المسؤولين، إضافة إلى وجود خلافات داخل أروقة السلطة.
وفي هيكل النظام الإيراني، لا يتم تعيين العديد من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين إلا بمرسوم من المرشد الأعلى، ووفقاً لما يورده النص، فإنه بعد مقتل علي خامنئي وتعيين مجتبى خامنئي مرشداً جديداً للنظام، كان من المتوقع أن تصدر قرارات تعيين المسؤولين الرئيسيين بسرعة، إلا أن استمرار الصمت لأسابيع بشأن بعض أهم المناصب الحكومية أثار تكهنات حول كيفية إدارة البلاد، والمكانة الفعلية لمجتبى خامنئي في منظومة اتخاذ القرار، واحتمال وجود خلافات بين الدوائر العليا في الحرس الثوري والحكومة ومكتب المرشد.
وتحدث بعض المحللين في تقارير منفصلة عن تغير موازين القوى لمصلحة بعض قادة الحرس الثوري، معتبرين أن بنية اتخاذ القرار بعد الحرب أصبحت أكثر اعتماداً من أي وقت مضى على النواة الأمنية والعسكرية المتشددة.
مناصب رئيسية لا تزال بلا خلف رسميمن أبرز المناصب التي لا يزال وضعها غامضاً منصب أمين مجلس الدفاع الأعلى، وهو الهيئة التي ازدادت أهميتها بعد الحرب في تنسيق القرارات العسكرية والأمنية الكبرى.
وكان علي شمخاني، القائد السابق في الحرس الثوري ووزير الدفاع الأسبق، يشغل منصب أمين المجلس ومستشار المرشد الأعلى للشؤون الأمنية حتى مقتله، وعلى رغم صدور بيانات رسمية تنعاه، لم يصدر حتى الآن أي مرسوم رسمي بتعيين خلف له.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن مجلس الدفاع يعد، في أوقات الأزمات، أحد أهم مراكز اتخاذ القرار بشأن الردود العسكرية، والمفاوضات المحتملة، وإدارة الأزمات الداخلية، كذلك يعين أمينه بمرسوم مباشر من المرشد الأعلى.
وينطبق الغموض نفسه على رئاسة المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، الذي كان يديره كمال خرازي حتى مقتله، ويعد أحد أهم الهيئات الاستشارية للمرشد في مجال السياسة الخارجية.
وخلال السنوات الماضية، شغل خرازي أيضاً منصب مستشار المرشد للشؤون الدولية، وكان ينقل الرسائل الاستراتيجية للنظام في العديد من الملفات الإقليمية والدولية الحساسة.
وعلى رغم أهمية هذا المنصب، لم يصدر حتى الآن أي قرار رسمي بتعيين رئيس جديد للمجلس، وعلى رغم وجود تقارير تشير إلى أن محمد باقر قاليباف يؤدي بعض هذه المهام، فإنه لم يعلن عن أي تعيين رسمي.
استخبارات الحرس الثوري: مقتل رئيسين من دون إعلان خلف رسميومن أبرز الملفات الغامضة أيضاً وضع جهاز استخبارات الحرس الثوري، أحد أهم الأجهزة الاستخباراتية في إيران، فقد قتل محمد كاظمي، الرئيس السابق للجهاز، خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً، وبعده عين مجيد خادمي رئيساً للجهاز، لكنه قتل هو الآخر خلال الحرب التي استمرت 40 يوماً، ليخسر الجهاز رئيسيه خلال أقل من عام.
وعلى رغم تداول تكهنات خلال الأسابيع الماضية بشأن تعيين رئيس جديد، فإنه حتى إعداد هذا التقرير لم يُنشر أي مرسوم رسمي في المصادر الحكومية بشأن رئيس الجهاز.
ونظراً لأن تعيين رئيس استخبارات الحرس يتم بمرسوم مباشر من المرشد الأعلى، فإن استمرار هذا الوضع يثير تساؤلات حول آلية اتخاذ القرار في أعلى المستويات الأمنية.
الوزارات الأمنية: قائمون بالأعمال مجهولو الهويةولم يقتصر الغموض على المؤسسات العسكرية، بل امتد إلى الحكومة أيضاً، فقد قتل عزيز نصير زاده، وزير الدفاع الإيراني، خلال الهجمات الأخيرة، وبعد ذلك عيّنت حكومة مسعود بزشكيان مجيد ابن الرضا قائماً بأعمال وزير الدفاع، إلا أنه مع اقتراب انتهاء المهلة القانونية لتولي المنصب بالوكالة، لا يزال من غير الواضح متى ستقدم الحكومة وزيراً جديداً إلى البرلمان، أو كيف ستدير الوزارة إذا استمرت الظروف الاستثنائية.
أما وضع وزارة الاستخبارات فهو أكثر غموضاً، إذ بعد مقتل الوزير إسماعيل خطيب أعلن مكتب الرئيس فقط صدور قرار بتعيين قائم بالأعمال، لكنه لم يكشف عن اسم الشخص الذي تولى المنصب.
وأدى عدم إعلان اسم القائم بأعمال واحدة من أهم الوزارات الأمنية في البلاد، حتى لو كان ذلك لدواعٍ أمنية، إلى زيادة التكهنات بشأن حالة السلطة، في وقت تحدثت تقارير غير رسمية عن تغييرات واسعة داخل الوزارة واحتمال إقصاء عدد من كبار المسؤولين، من دون أن تؤكدها أو تنفيها أي جهة رسمية.
البسيج والحرس الثوري: تعيينات في القمة وصمت في بقية الهيكلوفي قيادة الباسيج، قتل رئيسها غلام رضا سليماني خلال الحرب، كذلك استُهدف عدد كبير من قادتها على المستويين الوسيط والمحلي.
وعلى رغم أهمية الباسيج في تنظيم القوات الموالية للحكومة، والحرب النفسية، والسيطرة على الاحتجاجات الداخلية، لم يصدر حتى الآن أي قرار رسمي بتعيين رئيس جديد للمنظمة.
وخلال الأسابيع الماضية طرح اسم حسين طائب كأحد المرشحين المحتملين لرئاسة الباسيج، إلا أن مكتب المرشد لم يعلن أي موقف رسمي بهذا الشأن.
ويرى محللون أن عدم إعلان خليفة قائد الباسيج قد يعود إلى اعتبارات أمنية، أو إلى الخشية من استهداف القادة الجدد، أو إلى خلافات بشأن الشخصية المناسبة.
وفي قيادة الحرس الثوري يظهر النمط نفسه، فعلى رغم تعيين أحمد وحيدي قائداً جديداً للحرس، فإن عدداً كبيراً من مناصب نواب القائد والهيئات الاستراتيجية والقيادات الحساسة لا يزال من دون إعلان رسمي عن شاغليها.
كذلك يشير بعض المحللين إلى أن تعيين أحمد وحيدي جرى خلال فترة مجلس القيادة، وأنه بعد اختيار مجتبى خامنئي رسمياً مرشداً أعلى، لم يصدر حتى الآن مرسوم مستقل منه يثبت هذا التعيين.
فراغ في هيئة الأركان العامة والشرطةوينطبق الوضع نفسه على مستويات مختلفة من القوات المسلحة، إذ قتل مسؤولون كبار، منهم مهدي رباني نائب رئيس هيئة الأركان للعمليات، وغلام رضا محرابي نائب رئيس هيئة الأركان للاستخبارات، وخسرو حسني نائب رئيس استخبارات القوة الجوفضائية التابعة للحرس، ومحمد شيرازي رئيس مكتب القائد العام للقوات المسلحة، وكذلك محسن دره باغي نائب رئيس هيئة الأركان للإمداد والدعم، وبهرام حسيني مطلق رئيس إدارة الخطط والعمليات، إضافة إلى مهدي قريشي قائد القوة الجوفضائية للحرس في أصفهان، ومحمد علي فتح علي زاده قائد وحدة" فاتحين" الخاصة، من دون أن تصدر حتى الآن مراسيم رسمية بتعيين خلفاء لهم.
وعلى رغم أن وسائل إعلام مقربة من الحرس تحدثت في بعض الحالات عن تعيين مسؤولين جدد، فإن النمط المعتاد المتمثل في نشر المراسيم الرسمية لم يستأنف، وينطبق الأمر ذاته على قيادات الحرس في المحافظات، إذ تكتفي وسائل الإعلام غالباً بالإعلان عن مقتل القادة من دون الكشف رسمياً عن خلفائهم.
ويطرح المحللون ثلاثة تفسيرات محتملة لذلك، الخوف من استهداف القادة الجدد، والرغبة في إخفاء الهيكل القيادي الجديد، أو وجود خلافات بشأن اختيار البدلاء.
وكانت القوة الجوفضائية التابعة للحرس من أكثر الوحدات تعرضاً للخسائر القيادية، وعلى رغم تعيين مجيد موسوي خلفاً لـ أمير علي حاجي زاده بعد الحرب التي استمرت 12 يوماً، فإنه لا يزال من غير المعروف من حل محل بقية القادة الذين قُتلوا.
وفي قيادة الشرطة الإيرانية يظهر النمط ذاته، فعلى رغم أن الضربات الجوية لم تؤد إلى مقتل أحمد رضا رادان، فإن غلام رضا رضائيان، رئيس جهاز استخبارات الشرطة، قتل، وعلى رغم أهمية هذا الجهاز في منظومة الأمن الداخلي، لم يُعلن حتى الآن عن تعيين خلف رسمي له.
صمت تحول إلى رسالة سياسيةفي المجمل، سعى النظام الإيراني خلال الأسابيع الماضية إلى إظهار صورة توحي باستمرار تماسك القيادة وإدارة مؤسسات الدولة من دون اضطراب، إلا أن مراجعة التعيينات الرسمية تظهر أن عدداً كبيراً من المناصب الأساسية لا يزال بلا شاغل معلن رسمياً.
وقد يكون ذلك نتيجة اعتبارات أمنية، أو محاولة لإخفاء البنية القيادية الجديدة، أو بسبب خلافات داخل مركز السلطة، وما يلفت الانتباه أكثر هو أن معظم هذه المناصب تتطلب تعيين شاغليها بمرسوم مباشر من المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية.
ولهذا أصبح استمرار الصمت بشأن هذه التعيينات أحد أبرز الأسئلة السياسية التي أثيرت بعد الحرب التي استمرت 40 يوماً، إذ قد تكشف الإجابة عنه، وفقاً لما يورده النص، عن كيفية ترسيخ السلطة في عهد مجتبى خامنئي وآلية إعادة بناء هيكل القيادة في النظام الايراني بعد ما يصفه النص بأنه أثقل ضربة عسكرية تعرض لها النظام في تاريخه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك