تلقيت العديد من التعليقات على ما طرحته فى هذه الزاوية الأسبوع الماضى من مقترح لتعديل قانون المرور بإضافة نص يجرّم بشكل واضح، ومستقل، تمكين الطفل من القيادة أو السماح له بذلك، وتوقيع عقوبات سالبة للحرية ومالية متدرجة حسب ملابسات الواقعة وما قد يترتب عليها من وفيات أو إصابات أو أضرار مادية، إلى جانب عقوبة أخرى أعتبرها أهم وأكثر ردعًا هى منع الشخص المدان (ولى الأمر فى أغلب الأحوال) من القيادة مجددًا وحرمانه من الحصول على رخصة قيادة نهائيًا.
جاء السواد الأعظم من التعليقات مؤيدًا للمقترح، لكن بعضها طرح ملاحظات ومخاوف وأسئلة مهمة لبلورة ما نريده تحديدًا من هذا التعديل التشريعى، والمتمثل فى القضاء على ظاهرة قيادة الأطفال للمركبات (وليس السيارات الملاكى فقط) وردع المتساهلين والمستهترين فى حياة وحقوق الآخرين.
ومن سوء الطالع أن بعد نشر المقال السابق بساعات وقعت حادثة أليمة جديدة بمصرع طفلة فى المنيب دهسًا تحت عجلات سيارة يقودها طفل (13 سنة) أى أصغر من الفتى والفتاة المتهمين فى قضية دهس بائعة الشاى فى حدائق الأهرام قبل 16 يومًا.
لكن حادث المنيب لم يحظ بالاهتمام الكافى ربما لأن ملابساته لم تُصوّر ولم تتفاعل معه المواقع الصحفية فى حينه.
وعلى كلٍ دعونا ننظر إلى الأمام، ونأمل فى إحداث تغيير حقيقى يبدأ من التعديل التشريعى المقترح، وسأحاول فى السطور التالية الرد باختصار على بعض الملاحظات والأسئلة:• ألا يظلم المقترح ولى الأمر الذى يغافله ابنه ويحصل على مفتاح السيارة دون إذنه؟= حصول الطفل على المفتاح بالمغافلة أمر شائع ومتواتر.
وهو يختلف عن الظاهرة التى استفحلت وهى تمكين الطفل من القيادة بل وشراء سيارة خاصة له واعتياده قيادتها برفقة أصدقائه واستخدامها فى مشاويره اليومية.
لكن هذا لا يعنى إعفاء ولى الأمر من واجب «بذل العناية اللازمة» لمنع الطفل من قيادة السيارة.
أما على مستوى التطبيق فالنيابة العامة هى المختصة بتكييف الواقعة وتحديد مواد الاتهام، ومن بعدها المحكمة صاحبة السلطة المطلقة فى تقدير ملابسات الواقعة، والنيابة والمحكمة تملكان جميع الصلاحيات للتحقق من طبيعة الجريمة، وما إذا كان الطفل يقود السيارة بإذن كامل من والده أو بعدما غافله، من خلال وزن الاعترافات وأقوال الشهود والتحريات.
وللمحكمة سلطة توقيع العقوبة المناسبة أو التبرئة بحسب الملابسات التى تتيقن منها، ولا يجوز تحت أى ظرف حرمان القاضى من سلطته فى تفريد العقوبة وتدريجها وفق تقديره، ولهذا يجب أن تكون عقوبتا الحبس والغرامة بين حدين أدنى وأقصى.
• لماذا نعتبر تمكين الطفل من القيادة جريمة مستقلة عن تمكين الشخص البالغ غير الحاصل على رخصة؟= كانت المادة (81 مكرر3) من قانون المرور قبل تعديلها بالقانون رقم 161 لسنة 2021 تنص صراحة على حظر السماح للطفل بقيادة المركبة، مع توقيع العقوبات ذاتها المقررة للسماح بأى شخص غير مرخص له.
وأعتقد أن حذف هذا النص يسير فى الاتجاه المعاكس تمامًا للمواجهة المطلوبة لظاهرة قيادة الأطفال.
فنتائج الدراسات النفسية والعلمية تؤكد الفارق الكبير بين استجابة الطفل والبالغ فى مواقف القيادة الصعبة، وضعف تركيز الطفل وغياب قدرته على التحكم وزيادة احتمالات عشوائية ردود الفعل، مما يعنى ارتفاع معدلات الخطورة، فضلًا عما ينطوى عليه منح الطفل سيارة من استهانة واستهتار تقتضى معاملتها كجريمة مستقلة لتشديد المسئولية الجنائية.
• هل يجب مراعاة حالات تدريب الطفل على القيادة؟= لا يجوز أخذ «التدريب» غطاءً لممارسات سلبية بل وإجرامية فى بعض الأحيان! فالتدريب يقتضى وجودك فى السيارة بجانب الطفل.
وهناك دول وضعت نصوصًا تشريعية خاصة لفترات التدريب تصل إلى حد إلزام ولى الأمر باستخراج رخصة تدريبية للطفل مع ضرورة وجود شخص بالغ مرخص له معه فى السيارة.
والقانون الألمانى – على سبيل المثال - يجرّم تدريب غير المرخص فى الطرق العامة ويعاقب مالك السيارة بغرامة أو نقاط جزائية على الرخصة أو السجن مع سحب الرخصة، ويسمح فقط بالتدريب فى أرض خاصة مسوّرة بإذن من مالك السيارة، فى ترجمة واضحة لقواعد المسئولية والضرر.
• هل التعديل المقترح يضمن إنهاء الظاهرة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك