على الرغم من أن هذا العنوان تصدّر وسائل الإعلام العالمية بعد تصويت الكونغرس الأمريكي على قرار يُقيّد العمليات العسكرية في الخليج، وظهور توصيف مَفاده: «الكونغرس سحب صلاحيات ترامب كقائد للقوات المسلحة».
لكن من الناحية الدستورية والقانونية، فإن الصورة أكثر تعقيداً من هذا الوصف المُبسط.
فالرئيس الأمريكي وفق المادة الثانية من الدستور، هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهي صفة لا يستطيع الكونغرس إلغاءها بقرار عادي.
ولكن ماذا حدث؟في 23 يونيو/ حزيران 2026 صوّت مجلس الشيوخ الأمريكي لمصلحة قرار يستند إلى قانون صلاحيات الحرب، ويُطالب ترامب بإنهاء العمليات العسكرية في الخليج.
لكن هذا القرار لا يمنعه من الاستمرار فيها.
إنما لا يمنحه تفويضاً صريحاً بذلك فقط.
وكان مجلس النواب قد تبنّى موقفاً مشابهاً، ما جعلها المرة الأولى التي يتوافق فيها المجلسان على قرار يهدف الى تقييد استمرار عمل عسكري قائم.
ويبقى السؤال الأكثر الحاحاً: من يملك قرار الحرب؟بالعودة الى تاريخ صياغة الدستور عام 1787 حيث اجتمع الآباء المؤسسون، وكانوا يخشون ترك قرار الحرب بيد شخص واحد.
لذلك منحوا الكونغرس سلطة إعلان الحرب، بينما منحوا الرئيس سلطة قيادة القوات المسلحة بعد بدء العمليات، أو عند مواجهة تهديدات، عاجلة ومفاجئة.
يعني يمكن للرئيس صد الهجمات المفاجئة، لكن قرار الحرب الشاملة يبقى بيد ممثلي الشعب.
ومنذ ذلك الوقت، والجدل قائم.
فالرؤساء الأمريكيون كثيراً ما أرسلوا قوات إلى الخارج، أو نفذوا عمليات عسكرية من دون إعلان حرب رسمي.
بينما حاول الكونغرس مراراً استعادة دوره الدستوري.
مثلاً بعد حرب فيتنام شعر المشرّعون الأمريكيون بأن البيت الأبيض توسّع كثيراً في استخدام القوة العسكرية من دون رقابة كافية.
لذلك أقرّ عام 1973 قانون (صلاحيات الحرب) وينص على ثلاثة مبادئ أساسية: إبلاغ الكونغرس خلال 48 ساعة من إرسال قوات الى عمليات قتالية.
عدم استمرار العمليات لأكثر من 60 يوماً من دون موافقة تشريعية.
إمكانية المطالبة بسحب القوات إذا رفض الكونغرس منح التفويض.
وعلى الرغم من ذلك بقي تطبيق القانون محل خلاف.
هو نزاع دستوري قديم ومُتَكرّر.
ففي كل مرة تقع أزمة دولية أو حرب، يعود السؤال نفسه: هل يحق للرئيس أن يبدأ عملاً عسكرياً بمفرده؟ أم يجب أن يحصل على موافقة الكونغرس أولاً؟ وما حدود العمليات التي يمكن للرئيس تنفيذها من دون إعلان حرب رسمي؟ هذا الجدل ظهر مع: هاري ترومان في حرب كوريا، ومع نيكسون في حرب فيتنام، ومع كلنتون في كوسوفو، ومع جورج بوش في حرب العراق، ومع أوباما في ليبيا.
ومع ترامب في أكثر من ملف.
الحقيقة هو صراع طويل، فالرئيس يريد حرية الحركة عند الأزمات، بينما الكونغرس يريد الاحتفاظ بحق الرقابة.
لذلك، يرى الكثير من الباحثين أن تصويت يونيو 2026 لا يتعلق بشخص ترامب وحده، بل يمثل حلقة جديدة في صراع دستوري عمره أكثر من قرنين بين الرئيس والكونغرس حول السؤال نفسه: من يملك قرار الحرب؟بحسب وكالة «رويترز» ما زال بإمكان الرئيس الاستمرار في الحرب من الناحية العملية والدستورية.
لكن وضعه السياسي والقانوني أصبح أكثر تعقيداً.
السبب أن قرار الكونغرس يُعدّ ضغطاً قوياً أكثر منه نزعاً لسلطة عسكرية مباشرة.
فالكثير من الخبراء يرون أن هذه القرارات لا توقف العمليات تلقائياً، ما لم تقترن بخطوات إضافية، مثل تشريع مُلزِم، أو وقف «التمويل العسكري».
وبحسب «رويترز» أيضاً، أن الاستمرار في الحرب يضع الرئيس أمام حرب جديدة مع الكونغرس نفسه.
ومن أبرز التحاليل التي نُشرت قدرة الكونغرس على وقف الحرب عبر قطع «التمويل العسكري».
وتحت عنوان «المال أقوى من قرار الحرب»، رأت وكالة «رويترز» أن طلب الإدارة الأمريكية تمويلاً إضافياً للحرب أعاد ميزان القوة الى الكونغرس، لأن أي حرب طويلة لا يمكن أن تستمر من دون اعتمادات مالية جديدة.
واعتبر مُحللون أن البيت الأبيض بمجرد طلبه أمولاً إضافية يعترف بأن استمرار العلميات أصبح مرتبطاً بإرادة الكونغرس، وليس بقرار الرئيس وحده.
أما صحيفة «الغارديان» فوصفت تصويت مجلس الشيوخ بأنه رسالة سياسية أكثر منه نهاية للحرب.
ورأت أن السلاح الحقيقي للكونغرس هو «دفتر الشيكات».
بمعنى آخر: الرئيس سيظل يملك الصلاحية العسكرية.
والكونغرس سيظل يملك أن يوقفها بوقف.
«التمويل العسكري».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك