ليس نتنياهو فقط من يعود للتصعيد في غزة، كلما فشل في مكان آخر أو اضطرته الظروف إلى التهدئة.
غزة التي غابت عن اهتمام الرئيس الأميركي منذ الثامن والعشرين من فبراير الماضي على خلفية الحرب المفتوحة في الخليج، تعود إلى الواجهة من جديد، الرئيس الأميركي الذي فشل حتى الآن في تحقيق أهداف الحرب على إيران، يحتاج إلى إعادة التذكير بوعوده السابقة، على أنه رجل السلام الذي يعتقد أنه ينجح في تبريد أعقد وأطول وأخطر الصراعات تحت عنوان غزة.
غير أن عودة الرئيس الأميركي للاهتمام بغزة، هي عودة غير حميدة، إذ تشير المعطيات والوثائق المسربة والمعلنة، إلى أنه تخلى عمليًا عن خطة العشرين بندًا المنسوبة إليه، وأدت إلى وقف إطلاق نار، لم تتوقف إسرائيل عن خرقه كل الوقت، وتوسيع سيطرتها عليه إلى أن بلغت سبعين في المئة من أراضي القطاع الصغير.
وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو، أعلن عن تغيير الوضع القانوني لما يسمى بمجلس السلام، فبدلًا من توصيفه على أنه منظمة دولية رسمية متعددة الأطراف، يتم توصيفه على أنه منظمة دولية غير حكومية، الأمر الذي ينطوي على مؤشرات وتداعيات خطيرة تجعله خارج الأطر القانونية الدولية وأحكامها.
يصبح قطاع غزة، ملكًا لشركات استثمارية أميركية، تلتزم قانونًا خاصًا، أشارت إليه وثيقة مسربة، لضمان تجنب الملاحقات القضائية وتجنب الرقابة والمساءلة، خاصة أن تلك الوثيقة تتحدث عن السعي لمصادرة الأملاك العامة والخاصة لسكان القطاع، من دون الحاجة إلى موافقتهم أو تعويضهم.
وفي وثيقة أخرى معلنة، ذكرت مصادر أميركية أن الإدارة الأميركية أرسلت إلى إسرائيل طلبًا للرد عليها كتابيًا، تظهر النوايا الحقيقية للمشروع الأميركي، الذي يتجاوز أحكام الوصاية أو الانتداب إلى أحكام المصادرة القسرية «البلطجة» والسيطرة العلنية.
الوثيقة تتحدث عن إمكانية تجاوز عقدة سلاح حركة حماس، وهي العقدة التي تتخذها إسرائيل ذريعة لمواصلة القضم والهضم والتوسع، والقصف والاغتيالات والحصار والتجويع.
الوثيقة تتحدث عن بدء عملية الإعمار في منطقة تجريبية، تحدد مكانها في حي السلطان برفح، لتكون منطقة جاذبة للسكان، حيث تتوفر فيها إمكانيات حياة أفضل.
وتنص الوثيقة على دخول قوات حفظ السلام، وتعزيز دور الشرطة المحلية ومنح لجنة التكنوقراط بعض الملامح السيادية، وحرية الحركة، حتى تتمكن من أداء مهماتها المسقوفة بقرارات الشركات الاستثمارية التي يديرها مجلس السلام.
ولحصر الأوضاع في القطاع بالترتيبات الأميركية، يعلن مجلس السلام أن لا مكان للأونروا في غزة الجديدة، والأرجح أن هذا الإعلان سيشمل لاحقًا أية مؤسسات دولية أو غير دولية يتعارض عملها مع عمل وقرارات مجلس السلام.
هكذا يعتقد واضعو الخطة، أنه سيكون بالإمكان، عزل حركة حماس عن السكان، وعزلها عن الموارد، وتركها تحت رحمة الجيش الإسرائيلي بهدف خنقها والقضاء عليها.
إذا صحت هذه الوقائع، فإن ثمة تقاسمًا وتكاملًا للأدوار بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وفي غياب أي أفق سياسي أو حتى الإشارة إلى دور للسلطة الفلسطينية، أو ربط بين غزة والضفة الغربية.
استيطان للشركات الأميركية في أجزاء من قطاع غزة، واستيطان يتحدث نتنياهو عن إمكانية العودة إليه في أجزاء أخرى من القطاع.
تتجاهل الرؤية الأميركية، وفق هذه الوثائق، كل ما ورد من التزامات متدرجة نصت عليها خطة ترمب التي وافقت عليها حماس وعدد من الدول العربية والإسلامية، ورحبت بها أوساط دولية عديدة.
إزاء كل هذا، لا تلتزم الولايات المتحدة بدفع أي دولار من خزينتها، وإنما ستمارس قرصنة على أموال المقاصة الفلسطينية التي تصادرها إسرائيل، وكانت تغطي بعض التزامات السلطة الفلسطينية تجاه قطاع غزة.
غزة لن تصبح ريفيرا الشرق الأوسط، وهي لا تصلح لذلك، فما هي القصة؟الموضوع يتعلق ببضعة أهداف، أولها السيطرة على الثروات النفطية والغازية على شواطئ القطاع، وثانيها إقامة ميناء يخدم مشاريع إقليمية، تحتاج إلى عنوان فلسطيني لرفع الحرج عن مشاركة دول عربية في تلك المشاريع.
أما الهدف الثالث، وربما الأهم، وهو القضاء على كل فكرة حل الدولتين، من خلال إقامة ما يمكن اعتباره كيانًا مستقلًا في قطاع غزة لا علاقة له بالضفة الغربية والقدس.
هكذا يكون مجلس السلام قد تم إفراغه من مضامينه، التي وافقت عليها الدول العربية والإسلامية الثمانية في شرم الشيخ المصرية، ليتحول إلى مجلس حصري لترمب وبأبعاد وأهداف استعمارية.
يلقي هذا التغيير مسؤولية كبيرة على الفلسطينيين أولًا الذين عليهم أن يدركوا خطورة هذا المخطط، وأيضًا على الدول العربية والإسلامية التي عليها أن ترفع الغطاء عن هذا المجلس ومخططاته.
في كل الأحوال، هذا المخطط ليس قدرًا محتومًا، فسيرحل ترمب، وتبقى غزة التي تستعصي على مثل هذه المخططات الاستعمارية.
أهل غزة ليسوا قطيعًا من الأغنام الذين يلحقون المراعي، إنهم أهل ثبات وعزة وصمود وكرامة، وهم حراس المشروع الوطني الفلسطيني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك