في ليالي طهران التي لا تعرف النوم، حيث يتشابك ضوء القناديل مع وميض الصواريخ في الأفق البعيد، تقف المدينة كمنارة للإرادة البشرية، تحمل في قلبها النابض ثلاثة شعارات نقشها الإيمان على جدرانها، ورددتها حناجر أطفالها وشيوخها: " قوموا لله"، " يجب أن ننهض"، والقبضة المشدودة التي أصبحت عنواناً للصمود.
ليست مجرد كلمات عابرة على قطعة قماش، بل هي نبض يومي يتحكم في إيقاع الحياة في عاصمةٍ اختارت أن تكون شاهدة على التناقض الأسمى: البهاء في مواجهة البلاء، والحياة في حضن الموت.
شعار" قوموا لله" يتردد كأذان الفجر في كل زقاق، يرتفع على واجهات المساجد التي تحولت إلى مآوي للعزاء والأمل، وعلى جدران البنايات التي لم تتوقف عن العمل رغم هدير الطائرات.
هذا الشعار ليس دعوة للصلاة وحدها، بل هو بيان وجودي يذكر السائرين في شوارع العاصمة بأن كل خطوة هي ركعة في محراب الصبر، وأن القيام لله يعني النهوض من كل ما يثقل الروح: من الخوف، من التعب، من الرغبة في الاستسلام.
حين تراه مكتوباً بحروف عملاقة على الجداريات، تشعر أن المدينة بأكملها تقيم صلاة جماعية، وأن الليل يركع والنهار يسجد في معركة لا أسلحة فيها سوى اليقين.
أما شعار" يجب أن ننهض"، فيأتي كالصدى العملي للأول، ليس مجرد تحريض عسكري، بل هو ذكرى روحية تهمس في الأذن: القيامة تبدأ هنا، في هذا الشارع، في هذا القلب الذي يرفض الجثوّ.
تراه منذ تصل المطار ويتجول معك في الشوارع والمحطات.
وفي كل مكان، تطل القبضة المشدودة كرمز بصري لا يخطئه النظر، مرسومة بأيادٍ لم تعرف الاستسلام.
هذه القبضة ليست تهديداً للعدو، بل هي عهد بين الإنسان وأرضه، بين المؤمن وربه، وكأنها تقول: نحن هنا، رغم كل الرياح، لن نرخي قبضتنا إلا في كف الموت حين يأتي طوعاً.
تزين القبضة الجداريات في الميادين العامة، وتتلألأ على واجهات المحلات، وتختفي في تفاصيل صغيرة لتذكر الجميع بأن التمسك بالحياة فعل مقاومة في حد ذاته.
تمتزج هذه الشعارات الثلاثة في تناغم بصري وروحي، كأنها ثلاثية مقدسة تروي قصة مدينة ترفض أن تكون ضحية.
على الرغم من كل ما يحيط بها، لا تغرق طهران في ظلال الخوف، بل هي صامدة كالجبل، مقبلة على الحياة كالنهر.
الناس هنا لا ينتظرون نهاية الحرب، بل يعيشون لحظاتهم وكأن كل يوم هو هدية من السماء.
في الأسواق، لا تخلو سلة خبز من رغيف طازج، و الحدائق لا تخلو من طفل يلعب أو عائلة تفترش زربية وتلعب الشطرنج.
العائلات هنا في طهران تصل الليل بالنهار وكأن الموت ليس إلا باباً خلفياً للحياة، يفتحه الله لمن يشاء في الوقت الذي يشاء.
وهذا التسليم العميق، الذي يقرأ في عيون الثكالى قبل ألسنة الباكين، ليس يأساً أو انكساراً، بل هو إيمان راسخ بأن ما كتبه الله خير مما نختار.
التسليم هنا هو أن تصلّي الفجر وأنت تسمع دوي الانفجارات، أن تودع ولدك إلى المدرسة وكأنك تودعه إلى الجنة، أن تذهب إلى عملك وأنت تعلم أن العودة ليست مضمونة، لكنك تذهب مع ذلك، لأن الحياة تستحق أن تُعاش ولو لثانية واحدة.
في ليل طهران وهي تتحضر للتشييع، يتجمع الآلاف كجسد واحد، تعلو وجوههم ملامح الرضا والقناعة.
هناك، بين أكفان البيض ورياحين الجنة، يرقصون على إيقاع النشيد الأخير، حاملين جثماناً لا يزن شيئاً لكنه يحمل أوزان السماء.
المشهد أشبه بعرس كوني، حيث يزف العريس، وتتفتح السماء أبوابها لاستقبال روح طافت في دروب الأرض متعبة، فاختارت العودة إلى بارئها.
وفي كل التجمعات، تتعالى الهتافات بالشعارات الثلاثة، وكأن الموت نفسه يركع أمام هذه الإرادة التي لا تلين.
وهكذا، تبقى طهران شامخة، لا تغرق في بحر الخوف، بل تطفو على موج التحدي، تبحر نحو أفق لا تحدّه صواريخ، ولا تخيفه أصوات المسيرات.
هي تلك المرأة التي ترتدي الأسود حداداً على شهدائها، ولكنها تحت الأسود تخفي فستاناً أبيض لحفل العرس الذي لا بد آتٍ.
صامدة كالجبل، مقبلة كالنهر.
وفي كل زاوية منها، تهمس الجداريات للعابرين: قوموا لله، فما هذه الحرب إلا ركعة طويلة في محراب الخلود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك